المصدر: نداء الوطن
الكاتب: د. جوسلين البستاني
الخميس 12 شباط 2026 07:22:18
في لبنان، يبقى نزع سلاح "حزب الله" مفتاح البداية وخاتمة المسار. صحيح أن هذا الاستنتاج استُهلك إلى حدّ فقد معه جزءًا كبيرًا من ثقله السياسي، لكنه يبقى اختصارًا لواقع بنيوي غالبًا ما يفضل الخطاب السياسي اللبناني الالتفاف حوله بدلًا من مواجهته مباشرة. وفي ظل صورة تُقدَّم عن تنظيم محاصر سياسيًا وأمنيًا من أكثر من جهة، تترسّخ في بعض هذا الخطاب خلاصة مفادها أن مسار نزع السلاح، بات أقرب إلى مسار حتمي منه إلى مجرد احتمال سياسي.
لكن هذا السرد يخلط بين الضغط الهيكلي والمسار الاستراتيجي. فما يمرّ به لبنان ليس عدًّا تنازليًا نحو حلّ معضلة سلاح "حزب الله"، بل تثبيت شكل جديد من أشكال الجمود. صحيح أن التنظيم يتعرّض لضغوط غير مسبوقة، لكنه لا يقترب من نزع سلاحه بقدر ما يتكيّف مع الحصار بطريقة تحافظ على بقائه.
الضغوط على "حزب الله" حقيقية وتراكمية، لكنها ليست حاسمة. فهي تقيّد هامش توسعه وقدرته على المناورة، من دون أن تمسّ عناصر قوته الأساسية: هيكل قيادة متماسك، وترسانة صاروخية كبيرة، وقدرة مستقلة على اتخاذ القرار، إلى جانب رعاية استراتيجية مستمرة من إيران. فالحصار يطال هامش عملياته لا جوهرها.
وهنا يبدأ إخفاق الخطاب العام السائد، إذ يفترض أن الضغط الكافي سيؤدي تلقائيًا إلى نزع السلاح، كما لو أن "حزب الله" طرف سياسي تقليدي يتأثر بكلفة السمعة أو بتآكل شرعيته.
في المقابل، تُشدّد الحكومة على أنها "تعمل على حلّ هذه المسألة"، وأن المرحلة الأولى من التنفيذ قد اكتملت جنوب نهر الليطاني، وأن التقدّم التدريجي مستمر. لكن في الوقت نفسه، تواصل إسرائيل استهداف البنية التحتية العسكرية لـ "حزب الله" في عدة مناطق لبنانية، من بينها الجنوب، فيما يؤكّد قادته علنًا أن نزع السلاح شمال الليطاني ليس مطروحًا حتى للنقاش. وهذا الموقف لا ينتمي إلى التكتيكات التفاوضية أو المبالغات البلاغية، بل يعبّر عن اتساق عقائدي. فالحركات المسلّحة لا تتخلّى طوعًا عن الوسائل التي تضمن بقاءها، ما لم تُجبر على ذلك بفعل ظروف أشد قسوة بكثير من "الضغوط" الخارجية أو الداخلية.
وبين طمأنة الدولة، والضربات الإسرائيلية شبه اليومية، وتحدّي الميليشيا، يبرز استنتاج واحد: لم يعد نزع السلاح مجرّد خطاب، لكنه لم يتحوّل بعد إلى واقع سيادي متماسك ومكتمل. تقدّم الدولة اللبنانية نزع السلاح بوصفه عملية تقنية: مسألة لجان ومراحل ومفاوضات. ويتحدّث المسؤولون عن خرائط طريق وترتيبات أمنية وتنسيق دولي، كما لو أن المشكلة تتعلّق بتسلسل إداري. هذا الإطار ليس عارضًا، بل يتيح للدولة أن تبدو فاعلة من دون أن تمارس كامل سلطتها السيادية، وأن تتحدّث بلغة الحوكمة فيما تفتقر إلى الوسائل المادية لفرضها. وتعمل عبارة "نعمل على حلّ هذه المسألة" كبيان أدائي يخلق وهم السلطة من دون جوهرها. فالقرارات الرسمية موجودة، لكنها لم تُترجم حتى الآن إلى إجماع سياسي قادر على إجبار منظمة مسلّحة على التخلّي عن أسلحتها.
ومع ذلك، لا يزال الخطاب السائد يفترض مسارًا خطيًا: العزلة تؤدي إلى الضعف، والضعف إلى الانهيار، والانهيار في النهاية إلى نزع السلاح. ويبدو هذا النموذج جذابًا لأنه يمنح التاريخ اتجاهًا أخلاقيًا، ويطمئن الجمهور إلى أن النظام، مهما بدا معطّلاً، يسير نحو الحلّ.
لكن تاريخيًا، تميل الضغوط على المنظمات المسلّحة المحاصَرة إلى تشديد مواقفها بدلًا من تخفيفها. ويتناسب التطوّر الأخير لـ "حزب الله" إلى حدّ كبير مع هذا النمط. وبمصطلحات العلوم السياسية، يعمل "حزب الله" كطرف مسلّح متكيّف مع الحصار، إذ لا يتمحور أفقه الاستراتيجي حول الشرعية أو الإصلاح أو الاندماج المؤسسي، بل حول الصمود.
وبالعودة إلى ما صرّح به قادته بشكل لا لبس فيه، لجهة أن نزع السلاح شمال الليطاني ليس مطروحًا على الطاولة، تشكّل هذه التصريحات تأكيدًا عمليًا لموازين القوى. إذ يصعب على دولة أن تدّعي بشكل معقول أنها تنفذ سياسة يرفضها الفاعل المستهدف علنًا، ويواصل انتهاكها. وأمام هذه المعادلة، يصبح الحوار طقسًا بلا مضمون، ومحاكاةً للعمل السياسي تُعرَف نتائجها سلفًا، في ظل غياب بنيوي لأدوات السلطة.
أما سيناريوات الخروج الواقعية فتتمثل في الهزيمة العسكرية، في حال لم يقتنع "حزب الله" بتسليم ترسانته ونفذت إسرائيل تهديداتها بتدمير أسلحته وبنيته التحتية، أو في تسوية إقليمية شاملة، أو في انهيار إيران. لذلك، وحتى الآن، لا يمكن وصف الوضع الراهن بأنه مرحلة انتقالية، بل هو أقرب إلى توازن متجمّد. فـ "حزب الله" أكثر تقييدًا من أي وقت مضى، وأكثر عزلة، وأكثر إثارة للجدل، ومع ذلك لا يمتلك أي طرف داخلي القدرة على فرض نتيجة حاسمة.
كما تجدر الإشارة إلى أن استمرار إسرائيل في تنفيذ عمليات تدمير مستودعات ومراكز قيادة وبنية تحتية لوجستية لـ "حزب الله" بشكل منهجي، يخلق تناقضًا جوهريًا في صميم الوضع السياسي اللبناني. إذ يجري نزع السلاح، في كثير من الأحيان، بصورة خارجية ومفروضة. والنتيجة مزيد من تآكل سلطة الدولة، التي تبدو غائبة على نحو مزدوج: عاجزة عن إنفاذ قوانينها، وعاجزة عن منع الآخرين من إنفاذها نيابةً عنها.
والأخطر أن هذه الديناميكية تعزّز رواية "حزب الله" حول ضرورة وجوده، أي تبرّر استمرار عسكرته. فما يُقدَّم بوصفه "مقاومة" يصبح معتمِدًا، بشكل بنيوي، على غياب سلطة الدولة. فكلما فشلت الدولة في التصرّف، بدا دور "حزب الله" أكثر قابلية للتقديم على أنه لا غنى عنه. لذلك، ما يُسوَّق على أنه مسار حتمي هو، في الواقع، تعبير عن عجز متبادل. فلبنان لا يشهد نهاية الدور العسكري لـ "حزب الله"، بل استقرار بنية صراع تجد فيها جميع الأطراف نفسها في مأزق شديد الكلفة. وعليه، تؤدي رواية الانهيار وظيفة نفسية، فيما يقترب الواقع أكثر من كونه صمودًا استراتيجيًا.
يتضح إذن أن أزمة لبنان هي أزمة وجودية. ففي نظام يمتلك فيه أحد الفاعلين جيشًا مستقلًا، تنزلق السياسة إلى إدارة دائمة لتوازن قلق، بدل أن تكون ممارسة فعلية للسيادة. حيث تصبح كل السياسات خاضعة لحق نقض غير مُعلن، وكل الإصلاحات مشروطة بإذن ضمني، وكل مظاهر السيادة مؤجَّلة إلى أجل غير مسمّى.
وبناءً عليه، يخرج نزع سلاح "حزب الله" من كونه بندًا سياسيًا إلى كونه لحظة تأسيسية. فهو الـ Alpha، أو البداية، لأن الدولة لا تولد فعليًا من دون احتكار العنف المشروع. وهو الـ Omega، أو النهاية، لأن أي أزمة لا يمكن أن تُحل ما دام هذا الاحتكار مُجزًّأ. ومن دون ذلك، تبقى الانتخابات (إن حصلت) إدارة للتوازن، والإصلاحات إدارة للأزمة، والاتفاقات الدولية تثبيتًا لواقع الفراغ بدل تغييره.
بالتالي، لا يُطرح نزع سلاح "حزب الله" بوصفه قضية من بين قضايا أخرى، بل شرطاً لإمكان معالجة جميع القضايا الأخرى. وما عدا ذلك، ليس سوى ضجيج داخل بنية سياسية تفتقر إلى السمة الجوهرية لأي دولة حديثة: احتكار القوة تمهيدًا لاحتكار القرار. وفي هذا المعنى تحديدًا، لا يقف لبنان اليوم عند عتبة انتقال سياسي، بل عند حدود تعريف الدولة نفسها: إمّا سيادة مكتملة، أو إدارة مفتوحة لأزمة بلا نهاية.