المصدر: Kataeb.org
الكاتب: شادي هيلانة
الجمعة 17 نيسان 2026 15:21:21
يُفتح ملف ما بعد وقف إطلاق النار في جنوب لبنان على أسئلة تتجاوز لحظة دخوله حيّز التنفيذ، لتلامس ما سيليه من مسارات دقيقة ومفتوحة على احتمالات متعددة. في الكواليس السياسية، يتردد صدى مرحلة وُلدت بقرار أميركي مباشر قاده الرئيس دونالد ترامب، مع دفع واضح نحو جولة تفاوضية جديدة بين لبنان وإسرائيل رغم مناخ عام لا يوحي باندفاعة كافية لتحويل هذا الهدوء إلى استقرار دائم.
الرهان الرسمي في بيروت يتكئ على هذا التطور لالتقاط الإشارات الآتية من واشنطن، خصوصًا في ظل ما نُقل عن نية ترامب زيارة لبنان، وما يواكب ذلك من دعوة وُجهت إلى رئيس الجمهورية جوزاف عون للقاء مرتقب في البيت الأبيض مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أيام قليلة تفصل عن اختبار جدي، أي طريق سيسلكه لبنان في التعاطي مع هذا العرض، وأي سقف سياسي يمكن أن يرسمه لنفسه.
في قراءة الباحث في “الدولية للمعلومات” محمد شمس الدين، لا يبدو وقف إطلاق النار هشًّا، إذ يندرج ضمن مسار تفاوضي مرسوم، مع ترجيح واضح بأن مهلة الأيام العشرة لن تعقبها عودة إلى المواجهة العسكرية، بالتالي هذا التقدير، كما يقدمه، يستند إلى معطيات تتجاوز الداخل اللبناني، وتلامس توازنات أوسع تحكم الإقليم وتعيد رسم خطوط الاشتباك بطريقة أكثر برودة وأشد تعقيدًا.
ضمن هذا السياق، يلفت شمس الدين في حديثه إلى موقع kataeb.org إلى أن المسار التفاوضي بين إيران والولايات المتحدة لا يمكن فصله عما جرى في لبنان، حتى مع الجهود التي بذلتها الدولة اللبنانية، من الرئيس جوزاف عون إلى رئيس الحكومة نواف سلام، وصولاً إلى الدور الذي أدّاه رئيس مجلس النواب نبيه بري. الصورة، كما يعرضها مترابطة إلى حد بعيد، أي لا حسم في الداخل، ولا وضوح في مصير حزب الله، قبل اتضاح الاتجاهات الكبرى في العلاقة الأميركية- الإيرانية، حيث تُصاغ التفاهمات الكبرى ثم تُترجم في الساحات الأصغر.
نظريًا، قد يبدو بحسب شمس الدين الفصل قائمًا بين بيروت وطهران، غير أن الوقائع الميدانية والسياسية تقول غير ذلك، إذ تبقى حركة الإقليم هي العامل الحاسم في رسم المآلات، وفي هذا الإطار، يتراجع القلق المرتبط بإمكان حدوث تبدلات ديمغرافية، مع تقدير بعودة النازحين إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، حتى في ظل تضرر آلاف الوحدات السكنية والذي يقارب عددها الخمسة آلاف تقريبًا، وهو ما يعكس رغبة اجتماعية واضحة في استعادة الحد الأدنى من الاستقرار ولو فوق ركام جزئي.
في الجنوب، برأي شمس الدين المشهد لا يختلف كثيراً من حيث المبدأ، مع عودة الأهالي إلى بلداتهم، باستثناء القرى التي لا تزال تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي أو تلك التي طالها دمار واسع، بالتالي هؤلاء سيتجهون إلى مناطق قريبة، سواء في الضاحية أو في النبطية، في انتظار تبدل الظروف ما يخلق واقعًا انتقاليًا قد يطول أكثر مما هو متوقع، ويضع الدولة أمام اختبار فعلي في إدارة ملف الإيواء وإعادة الإعمار.
الحرب، وفق توصيف شمس الدين، طُويت صفحتها، والدخول في مسار دبلوماسي طويل بات أمرًا واقعًا، من دون وضوح نهائي حول خواتيمه، فعودة النازحين ستسلك طريقها تدريجيًا، إلا أن ما يقارب 150 ألفًا سيبقون خارج قراهم في المدى المنظور، إما بسبب دمار منازلهم أو نتيجة استمرار السيطرة الإسرائيلية على مناطقهم.
وفي قراءة أوسع، لا يمكن فصل هذا المسار عن نمط إدارة النزاعات في المنطقة، حيث يُستعاض عن الحروب المفتوحة بهدن طويلة تُدار تحت سقف التفاوض غير المباشر، ما يعني أن لبنان قد يكون أمام مرحلة هدوء مشروط لا سلامًا كاملًا، بالتالي هذا النوع من الهدوء يحمل في داخله عناصر التوتر نفسها، لكنه يؤجل انفجارها إلى حين تبدل المعادلات الكبرى.
كما أن الرهان على الحراك الأميركي يواجه حدودًا واضحة، إذ إن أي اختراق فعلي يبقى مرتبطاً بتقاطع مصالح معقد بين واشنطن وطهران وتل أبيب، وهي تقاطعات لا تُبنى سريعاً ولا تُحسم بزيارة أو لقاء، من هنا، تبدو المرحلة المقبلة أقرب إلى إدارة أزمة مزمنة منها إلى حل جذري، حيث يُطلب من الداخل اللبناني التكيف مع إيقاع الخارج، بانتظار تسويات أكبر لم تنضج بعد.