هلي الرحباني بكلمات من عرفوه... "نكبة" فيروز ونعمة حياتها

رحل هلي الرحباني بصمتٍ يشبه حضوره. الألم ضرب موعداً جديداً مع فيروز. حين وقفت أمام الحضور للمرة الأولى بعد وفاة ابنتها ليال عام 1988، عصر الجمعة العظيمة لتُنشد مراثي الأمّ الحزينة، كتبت "النهار" أنّ "صوتها يبلوره الحزن؛ صوت يمزج رائحة الربيع بذكرى المصلوب المبصور بإكليل الشوك والخلاص". هذه المرّة، صمتٌ. لن تُرنّم لنا فيروز، ولن تُغنّي. رحل هلي، وانطفأ نجمٌ في سمائها. الغصّة وحدها بقيت، غصّت الأم الحزينة التي تماهت وإيّاها.

لم يكن هلي اسماً في الضوء ولا وجهاً في الذاكرة العامة، بل حياة كاملة عاشت خارج الصخب، في مساحةٍ حميمة لا يدخلها سوى حبّ الأم. شكّل قلب العزلة التي أحاطت فيروز، وربّما كان سببها أيضاً. عرفت قسوة العالم، وأدركت أنّ هشاشة ابنها تحتاج إلى يقظتها الدائمة، فاختارت أن تكون له العالم كلّه. كان خوفها الأكبر أن تسبقه، أن يختبر الغياب وحيداً، فرقّ قلبه الطفولي لدمع الأمّ وصلاتها، وشاء الرحيل، فبكت وأبكت ناظريها. يكفيها فيروز حزناً؛ تكفيها هذه التراجيديا الإغريقية!"، قالها طلال حيدر لـ"النهار" ويُعيدها.

 هلي الرحباني "الملاك الحارس"
كثيرة هي الأقاصيص والحكايات التي صيغت عن هلي الرحباني. الأقلام لم تحترم الأم، ولم تحترم الابن، وفي حقبة "السوشيل ميديا" كلٌّ يُنصّب نفسه مرجعاً، وكلّ قولٍ مُباح. حكايات "بالجُملة والمفرّق" تُطالعنا بها أفواهٌ تدّعي أنّها تمتلك الحقيقة، وترشق الفضاء الرقمي بأخبار مُختلقة وعناوين جذّابة، من مثل أنّ فيروز "أخفت ابنها عن الجمهور"، وأنّ زياد ألّف أغنية "سلّملي عليه" لهلي، وهو ما نفته ريما قبل فترة قائلة: "زياد لا يمكن أن يتاجر بأخيه".

رحل هلي الذي عاش في حضن الأمّ، ملفوفاً بنسيج الصمت الفيروزي. ذات مرّة قال الكبير عاصي الرحباني لابنته ريما، التي، للمفارقة، لم تسلم هي نفسها من التجريح: "هلي وزّع ذكاءه عليكِ وعلى زياد وليال بالتساوي! لذلك يجب أن تحبّوه كثيراً". وهي آمنت بأنّ شقيقها "الملاك الحارس" لبيت عاصي وفيروز، وأنّه "حماهم من ضوء الشهرة والمال والجاه والتكبّر والتعجرُف وكلّ ملذّات الحياة الفانية، ونقّى نفوسهم وقلوبهم وطهّرها، وردّ عنهم ضربات الحقد الماكر والحسد والغيرة، وجمعهم وزرع الحبّ في البيت، وأبقى عليهم مرتبطين بالناس البسطاء الذين بيشبهونهم".

نكبة فيروز ونعمة حياتها
وُلد هلي عام 1958، ومعنى اسمه "أهلي" باللهجة البدوية التي أحبّها عاصي وفيروز حتّى إنّهما قدّماها في مشهد استثنائي على مسرح الأولمبيا الباريسي عام 1979، وفيه غنّت: "غِدْيُوا هَلِي بالسَّحَر... ما هِي رُبُوعُن دَوَانِي". وفي حديث إذاعي لـ"صوت الشعب" مع الزميلة لوركا سبيتي، قال زياد إنّ هلي أُصيب باليرقان (أو الصفيرة) في المستشفى عند ولادته، وهي التي ضربت دماغه وتحوّلت لاحقاً إلى التهاب السحايا، ثمّ ضرب المرض حوضه حتّى صارت قدماه مثل حرف x"، وأضاف: "كانت في ساقيه قوة، ولم يكن مصاباً بالشلل؛ كان قادراً على الوقوف، لكنه عاجز عن المشي. أمّا إدراكه فكان يتكوّن تدريجاً، عبر التكرار والتراكم، وكان واعياً لما يحيط به". 

اختبر هلي حبّ الأهل، ولا سيّما حبّ الأخ. في قاموس زياد المتمرّد، كلّ شيء مسموح، اللعب وتحطيم الأثاث والصراخ. "كان يحب الجلوس أمام الستارة وفتح الباب كي تتحرّك مع الهواء، إذ كان يجد متعة في رؤيتها وهي تطير"، يقول زياد، "وفيروز ترى أنّ وجود هلي، على الرغم من كونه إحدى نكبات حياتها، كان نعمةً في الوقت نفسه؛ فقد ارتبطت به ارتباطاً عميقاً، ولم تقبل يوماً أن تبتعد عنه".

 برامج التأهيل والعناية
لم تشأ فيروز يوماً أن تبتعد عن ابنها، ولم تتذمّر على ما رأت فيه حكم الربّ وحكمته. يتذكّر رئيس رئيس "جمعيّة أصدقاء المعوّقين" الدكتور موسى شرف الدين، لقاءه الأوّل بالسيّدة فيروز في تسعينيات القرن الماضي. كانت قد خضعت لعملية جراحية حين التقاها، وكان يومها طبيب تخدير. أهدى لها نسخة من كتابه، واتّفق مع الدكتور الراحل منير شماعة والدكتور كمال بخعازي أن يزوروها في فيلا الرابية. يقول لـ"النهار" إنّ الهدف كان التعرّف عن قرب إلى ابنها هلي، وقد جاءت الزيارة في سياق البحث في إمكانية إلحاقه بالبرامج التربوية والعلاجية التي كانت تقدّمها آنذاك "جمعية أصدقاء المعوّقين" في منطقة المصيطبة.

يروي شرف الدين أنّ فيروز استقبلتهم بحفاوة وببساطة صادقة. "كان ذلك في شهر رمضان. بدت في منتهى التواضع، وحدّثتنا عن علاقتها العميقة بابنها، وعن تعلّقها الشديد به، وحرصها على أدقّ تفاصيل حياته ورعايته". بادر الأطبّاء الثلاثة إلى عرض برامج التأهيل والتربية والعناية التي يتميّز بها مركز الجمعية، ولا سيما أنّ ولدَي الدكتور شرف الدين، فراس ومحمد، كانا يتلقّيان تلك البرامج آنذاك. "تمنّيا على فيروز أن ترسل هلي للإفادة من الرعاية النهارية في المؤسسة"، يُخبرنا، "وعدتنا بدراسة الموضوع، لكنها عبّرت في الوقت نفسه عن خشيتها من تكرار تجربة سابقة مع مؤسسة أخرى كانت قد ألحقت هلي بها، وقالت لي: حاولت تلك المؤسسة استغلالي واستغلال اسمي".

أبدت فيروز رغبتها في التعرّف إلى البرامج عن قرب، لكنها عادت لاحقاً وفضّلت عدم إلحاقه بالمركز، وطلبت من شرف الدين تقديم جلسات علاجية منزلية. وقد استمرّ ذلك لفترة، قبل أن تتوقّف الجلسات بسبب ظروف الحرب اللبنانية والانفصال شبه التام في بيروت بين المنطقة الشرقية والمنطقة الغربية، وانقطاعه بالتالي عن التردّد إلى منزلها.

"رغم ذلك، بقيت السيدة فيروز على تواصل معي"، يقول شرف الدين بتأثّر، "محافظةً على علاقة إنسانية دافئة، وكانت ترسل لي بطاقات معايدة تحمل توقيعها ودعوات لحضور حفلاتها، في لفتة صادقة تعبّر عن وفائها وعمق إنسانيتها".

دمشق 1958
كان هلي جرح فيروز الذي لم يندمل، والذي انفتح اليوم ونزف كلّ دم. في أيلول/سبتمبر عام 1958، وجدت فيروز نفسها مضطرّة إلى الغياب عن موعد كان منتظَراً على نحو استثنائي: الغناء على مسرح معرض دمشق الدولي. ودمشق تعني لها الكثير، وأهل الشام يرون فيها ابنتهم وفخرهم ورفيقة صباحاتهم. الإعلان الرسمي جاء مقتضباً، مبرَّراً بمرض ابنها الرضيع هلي. غير أنّ هذا الغياب، على بساطته الظاهرة، أحدث دويّاً غير مسبوق في المزاج العام للمدينة.

"سرعان ما تحوّل الاعتذار إلى حدث عام"، يروي الكاتب والمؤرّخ سوري سامي مروان المبيّض لـ"النهار"، "إذاعة دمشق ثارت، وتبعتها الصحف، والجمهور السوري غضب لغياب نجمته فيروز". لم يكن الاعتراض مالياً؛ فقد رفض المتجمهرون أمام شبابيك التذاكر أيّ تعويض، واعتبروا أنّه لا بديل من الحضور ذاته. كانت رسالة من القلب بأنّ فيروز لا تُعوَّض.

ذلك المشهد، الذي بدا للوهلة الأولى احتجاجاً فنياً، كان في جوهره تعبيراً عن علاقة نادرة بين صوتٍ ومدينة. وقد التقطت مجلة "الصيّاد" نبض تلك اللحظة، ويفيد مبيّض بأنّها كتبت: "قامت الدنيا ولم تقعد بعد. دمشق كلُّها تريدُ أن ترى فيروز تغنّي. أهلُها سيَهُبّون جميعاً ليقولوا لها: إنّهم أنفسهم طفلها". الجملة نفسها تتردّد بعد ثمانية وستّين عاماً، بصدق عاطفي جارح: فيروز، نحن جميعاً أبناؤك.