هل بدأ "حزب الله" يكيف نفسه مع مرحلة لا يعتمد فيها على "ورقة السلاح"؟

لا يخفي "حزب الله" أنه يخوض مواجهة ضارية دفاعاً عن حضوره واستمراريته قوة فاعلة، يقيناً منه أنّ دائرة خصومه اتسعت، ولا تكتم أنها أطلقت هجومها لتصفية حساب طويل معه. لذا لم يكن مفاجئا أن يُعلوا أصواتهم في الأسابيع القليلة الماضية بعد الإعلان الرسمي لانتهاء المرحلة الأولى من حصرية السلاح في جنوب الليطاني، اعتراضا على أن تكون تلك الخطوة نهاية المطاف في رحلة حصرية السلاح.

وعليه، كانت الهجمات على الحزب في جلسات مجلس النواب لإقرار الموازنة العامة، وقد شدد رئيس الحكومة نواف سلام في مؤتمر عقد في دبي على أن حكومته ماضية في استكمال ما بدأته في خطة حصر السلاح وليست في وارد التراجع، وشارك رئيس الجمهورية في هذه الحملة عبر مواقف أطلقها أخيرا. وبدا الأمر كأنه عبارة عن حملة منسقة مهمتها تبديد أي مخاوف توحي بأن مسار الحصرية سيقف عند حدود ما أنجز.

وبناء عليه، كان على الحزب أن يتيقن مجددا أن دائرة خصومه لن تسمح له بأن يبني آماله على أساس أن وضع ما بين النهرين هو غير ما حصل في جنوب النهر، مما يعني أن عليه التنازل عن أي رهانات، ومنها بطبيعة الحال فكرة احتفاظه بترسانة سلاحه في تلك البقعة، على أن تكون في منأى عن أي فعل أو دور.

والسؤال: ماذا بعد في جعبة الحزب من خيارات يواجه بها الضغوط المتصاعدة عليه من الداخل والخارج؟

مع أنه أقر بلسان أحد نوابه حسن فضل الله بصعوبة الوضع الذي يتحرك في إطاره، فقد أكد الأمين العام الشيخ نعيم قاسم في إطلالته الأخيرة أن الحزب ليس في وارد الاستسلام، وعليه أن يمضي قدما في اجتراح أساليب المواجهة دفاعا عن حضوره ودوره.

واللافت أن قاسم اختار أن يطل من ذكرى مرور 33 عاما على انطلاق المؤسسة الإسلامية للتربية والتعليم ومدارس المهدي، ولم يكن تفصيلا أن يردّ مداورة على خصوم الحزب الذين طالبوا بإنهاء هذه المؤسسة لكونها تخرّج مقاتلين وتربي طلابها على منهج خاص، فيكشف صراحة أن تلك المدارس هي واحدة من البيئات الحاضنة والرافدة للحزب.

وركز قاسم على أن الحزب يعمل رغم صعوبة المرحلة على بناء الدولة، وقد شارك في انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة.

وعلى رغم أنه تجنب إعادة موقف الحزب الرافض تسليم السلاح، تعمد رفع سقف المواجهة مجددا عندما تحدث عن أن المعركة طويلة وأن الكتلة المقاومة ستقتصر على حركة "أمل" والأحزاب والقوى الوطنية والإسلامية، أي النواة الأولى للمقاومة التي ظهرت في الميدان بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، لافتا إلى أن هذه النواة "قادرة على إيلام العدو".

وعليه، ثمة من فتح الباب أمام سؤال عما إذا كان الحزب يركز خطابه على إعادة بناء الدولة تمهيدا للانخراط فيها على غرار ما يطالبه به خصومه.

إلا أن أحدا من الراصدين لا يمكنه بعد أن يتبنى استنتاجا فحواه أن الحزب قد بدأ يضع هذا الاقتناع في حساباته وأدائه، خصوصا أن خصومه باتوا يعملون على أساس تفكيكه تمهيدا لاجتثاثه تماما، لأنه ما زال يملك ديناميات ومؤهلات تسمح له باسترداد بعض مما فقده.

وفي هذا السياق يقدم الحزب عبر مصدر مأذون له، بعضا من الخطوط العريضة لخريطة طريقه المستقبلية، فيشير إلى أن موافقة كتلته النيابية على الموازنة التي أقرتها حكومة نواف سلام، أتت انطلاقا من رؤية تقوم على أنها جزء من مشاركته في تعزيز خيار الاستقرار الداخلي.

ويضيف المصدر: "حافزنا الأول للموافقة على الموازنة هو أنها أقرت مبدأ الترميم الإنشائي تحضيرا لإعادة إعمار ما تهدم وتضرر بفعل الحرب، كما أنها أتت في إطار الحرص على وحدة الموقف في الثنائي الشيعي، وعشية الانتخابات النيابية التي نصر على إجرائها في موعدها، وقد أطلقنا ورشة المشاركة فيها دليلا إضافيا على حضورنا الشعبي الوازن".

يقول الحزب إنه يعرف ما ينتظره ولكنه يجزم بأنه وضع خريطة طريق مستقبلية تأخذ كل الاحتمالات في الاعتبار، "ولكن المؤكد أننا لسنا في وارد التراجع عن استراتيجية الأمن الوطني التي وعدنا بها في خطاب القسم وننتظر الوفاء بالوعد".