هل تعرَّض "الحزب" لخديعة؟

حتى الآن، لا أحد يملك أي إثبات ملموس لوجود «مؤامرة» في ما فعلته شركة «توتال» وستفعله في بحر لبنان. ومن المحتمل جداً أن لا تكون الحفّارة قد عثرت فعلاً على الغاز، في هذه النقطة تحديداً، التي نفّذت فيها عملية الحفر، في البلوك 9.

وأيضاً، لا يحق لأحد أن يشكّك في صدقية الشركة، في ما خصّ إعلانها عدم العثور على الغاز في البلوك 4، قبل سنوات، لأنّ الشكوك تبقى بلا قيمة ما لم تستند إلى أدلة دامغة، بل إلى ترجيحات سياسية وظنون، أي ما دُرِج على تسميته «نظرية المؤامرة».

وفق هذه «النظرية»، إنّ الولايات المتحدة التي تتحكّم بمقدرات الشركات الغربية الكبرى العاملة في مجال النفط، ومن أبرزها «توتال»، هي التي أوعزت إليها، في لحظة الاشتباك في غزة والجنوب اللبناني، بين إسرائيل وإيران، أن تعاقب «الحزب»، أو تضغط عليه، بحرمانه من تدفقات مالية هائلة كان يراهن عليها، في اعتباره صاحب القرار الأول على رأس السلطة في لبنان، من أجل تمويل سلطته هذه، وتأمين ديمومتها لسنوات وسنوات. وهذه الفرضية لا يمكن استبعادها في المطلق، على رغم من عدم وجود وقائع ملموسة وبراهين دامغة تؤكّدها.

ولكن، يتردّد أيضاً في بعض الأوساط أنّ «توتال» نفسها لم تكن في الأساس راغبة في دخول سوق التنقيب والاستخراج في لبنان في هذه الظروف، لأنّها تدرك المصاعب التي ستعترضها في تعاطيها مع فريق السلطة القائم حالياً في لبنان. فهذا الفريق سيمعن في ممارسات الفساد التي اعتادها، وسيُورّط الشركة في تعاملات تنعدم فيها الشفافية. وهذا الفريق سيزداد تعنتاً في مسار الفساد عندما يحصل على مليارات الدولارات السهلة ويستخدمها لإسكات الجميع وإخضاعهم وتثبيت نفوذه.

ويقول أصحاب هذه الفرضية إنّ «توتال»، عندما وافقت على الدخول في استدراج العروض في لبنان، كانت تستجيب لطلب الرئيس إيمانويل ماكرون الراغب في تثبيت موقع قيادي لفرنسا في ورشة الغاز اللبنانية. لكن الشركة بقيت، في العمق، متردّدة.

حتى اليوم، تتردّد هذه الأقاويل من دون إثباتات. فلا أحد يستطيع أن يكشف فعلاً هل هناك غاز أو نفط في بقعة معينة من العالم إلّا الشركات المعنية إياها. أي لا أحد يستطيع أن ينقض تقارير الشركات أو يؤكّدها إلاّ الشركات إياها. وإذا كانت الولايات المتحدة تتحكّم فعلاً بتوجّهات هذه الشركات وقراراتها، وتستخدمها في نزاعاتها السياسية والاقتصادية، فمعنى ذلك أنّ لبنان محكوم بالاستعانة بالشركات إيّاها، ولو بعد حين، على قاعدة: «فيكَ الخِصامُ، وانتَ الخصمُ والحَكَمُ». وستكون هذه الشركات قادرة على تقديم تقريرها، أياً يكن مضمونه، ولن يكون في مقدور لبنان إلاّ أن يوافق على مضمون هذا التقرير.

في النتيجة، يمكن القول إنّ فرضية عدم العثور على غاز في الموقع المستهدف في البلوك 9 واردة كما الفرضية المعاكسة، أي نظرية تسييس النتائج. والتسييس المحتمل فيه الكثير من المغازي والرسائل، ويمكن أن يعني حدوث انقلاب في المعادلات التي كرّسها اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، قبل عام تماماً.

عند التوقيع، قيل إنّ «حزب الله»، الذي كان المفاوض الحقيقي، وافق على الاتفاق، وما رافقه من تنازلات من الخط 29 إلى الخط 23، لأنّه موعود بمليارات الدولارات التي ستتدفق على البلد، وتكون في يد السلطة التي يتولاها اليوم. ولكن، في الجهة الأميركية والإسرائيلية، قيل إنّ الترسيم كان بداية لتفاهم حول مستقبل المناخ الأمني على الحدود، وأنّ الخطوة التالية ستكون ترسيم الحدود برياً. ولذلك، جاء الوسيط الأميركي عاموس هوكشتاين، قبل أسابيع، إلى لبنان بالتزامن مع انطلاق الحفر في البلوك 9، وأعلن بدء المفاوضات لترسيم الحدود براً. ولم يظهر أي صوت اعتراض في الداخل اللبناني.

إذاً، في حال الأخذ بفرضية أنّ تقرير «توتال» مسيّس، وأنّه جاء في توقيت ملتبس، في خضم انفجار حرب غزة، بهدف معاقبة «الحزب» على أمر فعله أو لمحاولة منعه من القيام بأمور سيفعلها، يمكن الحديث عن خربطة في مناخ اتفاق الترسيم أو اهتزاز لقواعد الاشتباك التي قيل إنّه حاول إرساءها.
فإما أنّ إسرائيل والولايات المتحدة عمدتا إلى خداع «الحزب»، بعدما وقّع الاتفاق العام الفائت وأتاح الباب لإسرائيل لكي تسحب الغاز من آبارها المحاذية لبحر لبنان، وإما أنّ الحزب أخلّ بالتفاهمات الأمنية عندما اضطر إلى تحريك الجبهة جنوباً، لإلهاء إسرائيل وإخافتها من فتح الجبهة الشمالية، بموازاة الجبهة الجنوبية مع «حماس».

ليس واضحاً أنّ «حزب الله» قطع وعداً للولايات المتحدة بتحييد نفسه عن أي نزاع عسكري على الحدود، في مقابل الحصول على امتياز استخراج الغاز والتعاطي معه كصاحب القرار الأول في لبنان الرسمي. لكن المؤكّد أنّ إسرائيل كانت تراهن على تحقيق هذا الهدف، وهي لذلك بدت مستعجلة ترسيم الحدود البرية أيضاً.

السؤال الحقيقي في الجنوب هو اليوم: هل يستعد الطرفان، إسرائيل و»حزب الله»، للدخول في عملية خلط أوراق كاملة وإعادة صياغة لقواعد الاشتباك، على إيقاع الحرب في غزة، أم إنّهما «سيلتزمان حدودهما» مهما ارتفعت حرارة اللهب في غزة، وأياً كانت نتائجها.

طبعاً، إيران لها الكلمة الوازنة هنا. وهي الوكيلة الحصرية للدفاع عن «حزب الله» إذا تعرّض للخداع. وهي ستوازن بين الدفاع عن حليفها الفلسطيني من دون التضحية بحليفها اللبناني.