المصدر: المدن
الكاتب: جورج حايك
الثلاثاء 12 أيار 2026 10:28:12
لا يوحي ما يجري ميدانياً في الجنوب اللبناني بما يسعى إليه الجانب اللبناني، الذي سيخوض، الخميس 14 أيار الجاري، الجولة الثالثة من المفاوضات، وهو تثبيت وقف إطلاق النار ليشمل كل الأراضي اللبنانية، والبدء بمفاوضات جدّية حول انسحاب الجيش الإسرائيلي من البلدات والقرى التي احتلّها في الجنوب، مقابل المطلب الإسرائيلي "المزمن"، وهو نزع سلاح "حزب الله".
لا شكّ في أنَّ العمليات العسكرية استفحلت في الأيام الأخيرة بين إسرائيل و"الحزب"، بل إنّ حكومة تل أبيب تدرس إمكان التوسّع في الحرب مجدداً لكبح جماح "الحزب"، وفق تعبيرها.
أمّا الجانب اللبناني، الذي سيتمثّل في الجولة الثالثة بالسفيرة اللبنانية ندى معوّض، فأفادت معلومات من واشنطن، بأنّه سعى كثيراً لدى دوائر القرار الأميركية للضغط على إسرائيل بهدف تثبيت وقف إطلاق النار نهائياً، قبل البدء بجولات متقدّمة من المفاوضات، فيما يبدو المشهد الميداني في الجنوب معاكساً كلياً من الجانبين: إسرائيل و"الحزب". وتشير المعلومات إلى أنّ الإدارة الأميركية ليست متأكدة من قدرة الحكومة اللبنانية على التعامل بحزم مع "الحزب"، لذلك من المستبعد أن تضغط على إسرائيل لتثبيت وقف إطلاق النار، إلا إذا أخذت ضمانات من الجانب اللبناني بمنع "الحزب" من مواصلة نشاطه العسكري.
وتكشف مصادر مطّلعة في واشنطن أنّ إسرائيل سترفض هذا الأمر، ولن تتساهل مع "الحزب" الذي يصرّح مراراً وتكراراً بأنّه غير معني بأي مفاوضات أو بأي وقف لإطلاق النار، تحت ذريعة حقّه في المقاومة وتحرير الأرض. لذا، فإن أقصى ما يُمكن أن يفعله الرئيس ترامب هو تقييد القتال وإبقاء العمق اللبناني، مثل العاصمة بيروت، آمناً من الغارات الجوية الإسرائيلية، إلا في حالات معيّنة تستدعي التدخّل لتصفية مسؤول معيّن من "الحزب"، كما حصل الأسبوع الفائت عندما تمّ اغتيال قائد قوة الرضوان أحمد غالب بلّوط.
لا ترغب كلّ من إسرائيل و"الحزب" بوقف إطلاق النار. لذلك تصفه المصادر الأميركية بأنّه اتفاق ذو طابع رمزي في جوهره، إذ يهدف، في الغالب، إلى احتواء نطاق القتال، ويُعدّ إجراءً دبلوماسياً لا وقفاً كاملاً للأعمال العدائية.
لكن معلومات خاصة توفّرت لـِ "المدن" تفيد بأنّ الجانب اللبناني سيُصرّ على هذا المطلب، وخصوصاً وقف التدمير الإسرائيلي الممنهج للقرى والبلدات، وجرف المنازل وأرزاق اللبنانيين الجنوبيين. وهذا الأمر مكلّف به السفير الأميركي ميشال عيسى والسفيرة معوّض في الجلسة الثالثة، ثم السفير سيمون كرم في الجلسة الرابعة.
قد يكون طموح الجانب اللبناني كبيراً جداً، لأنّ إسرائيل تريد أن تكون المفاوضات تحت النار ضد "الحزب" لا ضد الدولة اللبنانية. لكنّ المصادر تلفت إلى أنّ حسابات الأخيرة مختلفة، لأنّ استجابة إسرائيل لمطلب تثبيت وقف إطلاق النار تُحسّن وضعية الدولة اللبنانية في الداخل، وتمنحها الأفضلية على "الحزب" ومرجعيته الإيرانية، وتؤكّد فصل المسارين. إلا أنّ هذا الأمر صعب جداً، وفق المصادر الأميركية، بالرغم من تفهّم إدارة ترامب لحسابات لبنان الرسمي، وهو ما سيدفعها إلى إلزام إسرائيل بعدم التوسّع في الحرب، كما يُهدّد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو وبعض الوزراء في حكومته.
إلا أنّ تجارب وقف إطلاق النار لم تكن ناجحة في أماكن أخرى، مثل غزة، وأيضاً في لبنان، إذ تخلّلها، منذ تشرين الثاني 2024، تبادل الاتهامات بين إسرائيل و"الحزب" بانتهاك الاتفاق.
وتؤكّد معطيات موثوقة أنّ الوسيط الأميركي قد ينجح في إقناع إسرائيل بإعطاء فرصة لوقف إطلاق نار مؤقّت وشامل خلال فترة المفاوضات، التي قد تستغرق أشهر الصيف كلّها، وفق منطق مفاده أنّه لا يُمكن القضاء على "الحزب" باستخدام العنف فقط، إنّما عبر إضفاء أجواء مريحة على المساعي الدبلوماسية، وتمكين الجيش اللبناني من تنفيذ مهمة نزع هذا السلاح، رغم التجربة السابقة غير الموفّقة.
إذاً، سيكون هناك شدّ حبال بين المطلب اللبناني بتثبيت وقف إطلاق النار وانسحاب إسرائيل من البلدات والقرى المحتلّة من جهة، والمطلب الإسرائيلي بتنفيذ الحكومة اللبنانية خطوات فعلية تؤدّي إلى نزع سلاح "الحزب" بأسرع وقت ممكن من جهة أخرى.
وترى المصادر الأميركية أنّ الجانب الإسرائيلي، وحتى الإدارة الأميركية، لن يمنحا لبنان فترة طويلة لتحقيق مهمة نزع السلاح، مع بقاء الجيش الإسرائيلي في الحزام الأمني الذي أنشأه في الجنوب، للتأكّد من عملية نزع السلاح، وإلا فستعود إسرائيل إلى توسيع عملياتها العسكرية لنزعه بنفسها.
أمام كل هذه الحسابات، لا شيء يضمن بقاء "الحزب" مكتوف اليدين أمام استمرار هذه المفاوضات. وتبدو مصلحته، وكذلك مصلحة إيران، في نسفها من خلال مواصلة عملياته العسكرية، وفرض اتفاق وقف إطلاق نار عبر مفاوضات إسلام آباد، ليبقى لبنان ورقة في يد النظام الإيراني.
ليس سرّاً أنّ ترامب يبذل كل طاقته لتوفير أفضل الظروف للمفاوضات بين إسرائيل ولبنان، وترى المصادر الأميركية المطّلعة أنّ لديه مصلحة شخصية في الوصول إلى الهدف المنشود عبر القول: "لقد حقّقتُ اتفاق سلام بين دولتين في حالة حرب منذ عقود"، وهو ما سيروّج له باعتباره من ثمار حربه ضد إيران.
وتشير المصادر إلى أنّ ترامب يُدرك جيداً أنّ العقبة الكبرى أمام التوصّل إلى أي اتفاق في المفاوضات، ومن بينها تثبيت وقف إطلاق النار، هي "الحزب" أولاً. ويضع فريقه الاستشاري علامات استفهام عدّة حول نجاح أي وقف لإطلاق النار في لبنان، ما دامت الحرب الإقليمية الأوسع نطاقاً لم تنتهِ بعد، وربما قد تشهد موجات تصعيد جديدة، كما يبدو نتيجة تعثّر المفاوضات بين واشنطن وطهران.
مع ذلك، لن تتوقّف تدخّلات ترامب في لبنان للجم إسرائيل، بناءً على مطلب لبنان الرسمي، وسيكون الاختبار الجدّي يوم الخميس المقبل. إلا أنّ أي وقف لإطلاق النار، وفق المعطيات الواردة من واشنطن، سيبقى هشّاً ولن يكون ثابتاً بتاتاً قبل التوصّل إلى اتفاق بشأن كل الملفات الشائكة، وفي مقدّمها ملف نزع سلاح "الحزب".