المصدر: وكالات
الخميس 5 تشرين الثاني 2026 19:33:02
في مواجهة تزايد مقاومة المضادات الحيوية، يتجه علماء إلى تطوير نهج علاجي غير تقليدي يعتمد على تسخير فايروسات طبيعية لمهاجمة البكتيريا والقضاء عليها، في خطوة قد تمنح الأمل للمرضى المصابين بعدوى خطيرة لم تعد تستجيب للعلاجات التقليدية.
وأعلن فريق دولي من الخبراء وضع أول إرشادات سريرية موحدة على مستوى العالم لاستخدام ما يُعرف بـ«العلاج بالعاثيات» (Phage Therapy)، وهو أسلوب يعتمد على اختيار فايروسات متخصصة قادرة على إصابة البكتيريا الضارة وتدميرها، وفقًا لنوع العدوى التي يعاني منها كل مريض.
وقادت الجمعية الألمانية للأمراض المعدية (DGI) هذا الجهد، بمشاركة 20 منظمة مهنية و18 خبيرًا دوليًا، بينهم ممثلون عن جهات تنظيمية، إلى جانب منظمتين معنيتين بالدفاع عن حقوق المرضى. وأسفرت هذه الجهود عن أكثر من 60 توصية تشمل اختيار الفايروسات واختبارها وتصنيعها وإعطاءها للمرضى ومراقبة نتائج العلاج، فضلًا عن معايير المختبرات ومراقبة الجودة وتوثيق الحالات.
ونُشرت الإرشادات في مجلة «Nature Medicine»، لتضع إطارًا دوليًا موحدًا لمجال كان يفتقر إلى معايير واضحة تنظم استخدام هذه الفيروسات في العلاج الطبي.
كيف تقتل الفايروسات البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية؟
تُعرف العاثيات بأنها فايروسات موجودة بصورة طبيعية في البيئة، وتتميز بقدرتها على إصابة البكتيريا والتكاثر داخلها ثم تدميرها. وعلى عكس المضادات الحيوية التي قد تستهدف أنواعًا متعددة من البكتيريا، تتميز هذه الفيروسات بقدرتها على مهاجمة أنواع محددة، بل قد يقتصر تأثير بعضها على سلالات بعينها.
وتمنح هذه الخصوصية العلاج ميزة مهمة، لكنها تفرض تحديًا يتمثل في ضرورة إجراء اختبارات معملية مسبقة للتأكد من قدرة الفايروس المختار على القضاء على البكتيريا المسببة للعدوى لدى المريض.
وقد يُستخدم العلاج بالعاثيات عندما تفشل المضادات الحيوية التقليدية، أو لا تتوافر خيارات مناسبة، أو يتعذر استخدام الأدوية بأمان.
ورغم أن الأبحاث تشير إلى تمتع العاثيات المصنعة والمستخدمة وفق معايير مناسبة بملف سلامة مشجع، فإن التجارب السريرية المحكمة لم تقدم حتى الآن أدلة كافية لإثبات فعاليتها بصورة قاطعة، ولذلك لا توصي الإرشادات باستخدامها علاجًا روتينيًا لجميع العدوى البكتيرية، وإنما تشدد على تقييم كل حالة بصورة فردية.
نتائج مشجعة في علاج 100 مريض
وتقدم التجارب الأولية مؤشرات إيجابية بشأن إمكانية استفادة بعض المرضى المصابين بعدوى يصعب علاجها.
ففي دراسة لحالات علاجية ببلجيكا شملت 100 مريض تلقوا العلاج بالعاثيات، تحسنت الحالة الصحية لدى 77% منهم، بينما أظهرت الفحوص اختفاء البكتيريا المستهدفة بالعلاج في 61% من الحالات.
ورغم أهمية هذه النتائج، فإنها لا تثبت وحدها أن العاثيات كانت السبب المباشر للتحسن، أو تحدد مدى تفوقها على العلاجات الأخرى، ما يستدعي إجراء دراسات أكبر وتجارب سريرية محكمة لتقييم فعاليتها وتحديد المرضى الأكثر استفادة منها.
كيف يختار الأطباء الفايروس المناسب؟
ويمثل اختيار الفايروس القادر على القضاء على البكتيريا المسببة للعدوى أحد أبرز تحديات هذا العلاج، إذ يتعين على المختبرات إجراء اختبارات متخصصة للتأكد من قدرة العاثية المرشحة على قتل السلالة البكتيرية المحددة، فيما يُعرف بعملية «مطابقة العاثيات» (Phage Match).
وتوصي الإرشادات بإجراء هذه الاختبارات سريعًا قبل بدء العلاج، لأن قابلية البكتيريا للتأثر بالفايروسات قد تتغير خلال فترة الإصابة. كما تشدد على اختبار جميع مسببات العدوى في الحالات التي تضم أكثر من نوع من البكتيريا.
وتتطلب قرارات العلاج تعاون الأطباء المعالجين وأخصائيي الأحياء الدقيقة وخبراء العاثيات، إلى جانب التنسيق بين المختبرات ومرافق التصنيع والصيدليات والفرق الطبية، مع توحيد أساليب الاختبار وتوثيق الحالات في سجلات متخصصة لمقارنة النتائج ورصد المشكلات.
مستشفى ألماني يعالج 10 مرضى بالفايروسات
وبدأت بعض المؤسسات الطبية بالفعل تطبيق العلاج بالعاثيات وفق ضوابط محددة، إذ أفاد المركز الطبي بجامعة فرانكفورت في ألمانيا بنجاح علاج 10 مرضى ضمن برنامجه القائم على الإرشادات الجديدة منذ فبراير 2026، باستخدام فايروسات اختيرت بصورة فردية لمهاجمة البكتيريا المسببة للعدوى.
وقالت الدكتورة سيلفيا فورستله، المؤلفة المراسلة للإرشادات، إن التوصيات توفر للأطباء والصيادلة والجهات التنظيمية إطارًا مشتركًا لإدماج العلاج بالعاثيات في الممارسة الطبية بصورة آمنة ومسؤولة.
وشملت البكتيريا المستهدفة نوعين يرتبطان بعدوى قد تكون صعبة العلاج، هما «الزائفة الزنجارية» (Pseudomonas aeruginosa) و«المكورات العنقودية الذهبية» (Staphylococcus aureus)، خصوصًا عندما تكتسب هذه البكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية.
وتختلف طريقة إعطاء الفايروسات بحسب موقع العدوى واحتياجات المريض، وقد تشمل الحقن الوريدي أو الاستنشاق أو بخاخ الأنف أو الاستخدام الموضعي عبر هلام طبي معقم.
معايير دولية تحدد مستقبل العلاج
تسعى الإرشادات الجديدة إلى تعزيز التعاون بين تخصصات الأحياء الدقيقة والطب السريري والصيدلة والتصنيع والجهات التنظيمية، فيما تمثل شبكة «PhageNET DZIF»، التي أسستها وتنسق أعمالها الدكتورة أنيكا كلاسن، منصة لتبادل المعرفة والخبرات السريرية بين المتخصصين.
وجرى إعداد التوصيات من خلال عملية توافق علمي تحت إشراف رابطة الجمعيات العلمية الطبية في ألمانيا (AWMF)، وتسري خلال الفترة من 5 يناير 2026 حتى 29 يونيو 2030، مع مراجعتها سنويًا لتحديد مدى الحاجة إلى تحديثها.
ورغم أن العلاج بالعاثيات لا يزال بحاجة إلى أدلة أقوى من التجارب السريرية المحكمة قبل اعتماده على نطاق واسع، فإن وضع معايير دولية موحدة يمثل خطوة مهمة نحو تطويره وضمان استخدامه بصورة أكثر أمانًا.
وقد تتحول هذه الفايروسات مستقبلًا إلى خيار علاجي إضافي للمرضى الذين يعانون عدوى بكتيرية لا تستجيب للمضادات الحيوية، في ظل تزايد الحاجة العالمية إلى حلول جديدة لمواجهة خطر مقاومة الأدوية.