هل شَرَّعَ الفاتيكان حقًّا زواج المثليّين؟

كتب الأب سامر نعمان

في 18 كانون الأوّل 2023، أصدَرَ مجمع العقيدة والإيمان في الفاتيكان "بيانًا" حمل عنوان: "معنى البركات الرعويّ"، تناولَ فيه مُباركة الأزواج الذين يعيشون ارتباطًا غيرَ صحيحٍ في نظر الكنيسة الكاثوليكيّة. وفَورَ صدوره توالَت ردود الفعل عليه؛ وإذ جاءت من مُختلِف العائلات الكنسيّة، توزّعت بين شعبيّةٍ ورسميّة، وتصاعدت من الاستغراب والاستهجان، مرورًا بالاعتراض والتنديد، وصولًا إلى اتّهام الكنيسة الكاثوليكيّة بالتمهيد لتشريع الزواج المثلِيّ! وحيث لم يستطع المؤمنون الاطّلاع على محتوى "البيان"، راح عددٌ منهم يتشكَّكُ من الأصوات المعترضة عليه، ودخل بعضٌ آخر في حالة ارتباكٍ وارتيابٍ إيمانِيَّين.

أوّلًا: "البيان" في نُقاطه الثلاث

يتناولُ البيانُ الحاضرُ "البركةَ" في الكتاب المقدّس، ويتوقّفُ عند معناها الليترجيّ واللاهوتيّ والرعويّ، ويُميّزُ بين "البركة" و"سرّ الزواج". وإذ يُجيزُ للكاهن في الكنيسة الكاثوليكيّة مَنحَ الأزواج الـمُشار إليهم "البركة" إذا ما طلبوها، يُؤكّدُ على ثبات العقيدة التقليديّة للكنيسة الكاثوليكيّة في ما يتعلّق بالزواج. وإذ يُوضحُ الهدف من مَنحِ البركة، يُشدّد على عدم إضفاء أيّ مَشروعيّةٍ أخلاقيّةٍ كاثوليكيّةٍ لارتباط طالبيها.

أ‌. "البركة" كتابيًّا ورعويًّا: يُعلنُ "البيان" أنّ "البركة" في الكتاب المقدّس ثُنائيّة الاتّجاه: فهي نازلةٌ تتمثّلُ في استدعاء نعمة الله على الإنسان؛ وهي أيضًا صاعدةٌ تظهرُ في تسبيح الله وشُكره على رحمته وأمانته. ومَن يطلُب البركة يُعبّر عادةً عن حاجته إلى حضور الله الخلاصيّ في مسيرة حياته، وعن رغبته في الخروج من ضيق أُفُقِ هذا العالم.

ب‌. "البركة" وَ"سرّ الزواج": يُميّزُ "البيان" تمييزًا واضحًا ومُتكرّرًا بين "البركة" وَ"سرّ الزواج"؛ فالأولى هي ممارسةٌ تَقَويَّةٌ غيرُ طقسيّةٍ يَستمطرُ الكاهن على طالبِها نعمة الله، وهي ليست في حاجة إلى التحقُّق مِن الكمال الأخلاقيّ لمتقبِّلِها، لأنّها تعكس رحمة الله الذي لا يتوقّف عن مباركة أبنائه، بينما بركةُ "سرّ الزواج" ممارسةٌ أسراريَّةٌ طقسيَّةٌ تشترطُ مسبقًا أن يتمتّع مُتقبّلَاها بصفاتٍ مُحدّدةٍ وأن يستوفيا شروطًا مُعيّنة.

ت‌. مَنحُ "البركة" وشروطُه: يُؤكّد "البيان" على ثبات الكنيسة الكاثوليكيّة على عقيدتها التقليديّة في ما يخصُّ الزواج، لا بل يُشدّد على أنْ ليس لهذه الكنيسة السلطةَ على تزويج أشخاصٍ من الجنس نفسه. وهو إذ سمح للكهنة بأن يمنحوا البركة لأشخاصٍ مِثلِيي الجنس، حَذَّرَ من القيام بذلك في أثناء طقسٍ ليترجيٍّ أو حتّى بلباس ليترجيّ ممّا قد يُفهمُ منه مباركةً لارتباط هؤلاء، أو مصادقةً على حالتهم، أو إضفاءَ مَشروعيَّةٍ أخلاقيَّةٍ على علاقتهم.

ثانيًا: اعتراضاتٌ على "البيان"

أ‌. الاعتراضات الشعبيّة: من أبرز اعتراضات المؤمنين أنّ البيان، بزعمهم، يُضفي مَشروعيَّةً على ارتباط المثليّين، أي أنّها مقصودةٌ ليس لشخصهما فحسب بل أيضًا لارتباطهما؛ كما أنّ التساهل بمَنح المثليّين بركةً اليوم، قد يتطوَّرُ غدًا لمنحهم سرّ الزواج؛ وأخيرًا، شكوك في توقيت إصداره والنيّات المبطّنة فيه!

في الواقع، أرادت الوثيقة الإشارة إلى أنّه يمكن الكاهن منحَ البركة لشخصَين، مع عِلمِه المسبق أنّهما في "حالة الخطيئة"، لأنّ ما يُميّز البركة، هو أنّه يجوز منحها للصالحين والخطأة على السواء. ولكن، وإن شملت البركة الإنسان برمَته، فهذا لا يعني أنّها تُضفي مشروعيّةً على خطيئته، بل تطلب الرحمة من الله لمقترفها، والاستنارة بنوره الخلاصيّ. ومن المعروف أنّ الكاهن عندما يُباركُ إنسانًا خاطئًا فهو لا يُوافق على خطيئة هذا الإنسان، بل يسأل له رحمة الله. ومن ثَمّ، لا يتعلّق هذا السماح بانصياع لضغوط، بل بأسئلةٍ رعويّةٍ تُطرح يوميًّا على الكنيسة، ومن واجبها الإجابة عنها. وفي كلّ إجابةٍ ترتكز الكنيسة على حياة المسيح وتصرُّفه، فتبني ردّها بحكمةٍ وفطنةٍ من دون مساومةٍ أو مُواربة. وأخيرًا، كيف للإنسان أن يعرف النيّات، ويحكم على وجودها؟ ثمّ، لماذا يُعَدُّ توقيت ظهور "البيان" مشبوهًا؟ ألا يستطيع كلُّ إنسانٍ أن يتصوّر شُبهةً ما حول أيّ توقيتٍ آخر يظهر فيه أيّ "بيان"؟!

ب‌. الاعتراضات الرسميّة:

  1. أوضحت أبرشيّة القدّيسة مريم في الأستانة رأيها بمضمون "البيان" البابويّ، فرأت أنّ مباركة أزواجٍ هم في أوضاعٍ غير نظاميّةٍ "تتعارض بشكلٍ مباشرٍ وخطيرٍ مع الوحي الإلهيّ ومع عقيدة الكنيسة الكاثوليكيّة وممارساتها"، وهي "إساءةٌ خطيرةٌ لاسم الله القدوس، إذ يتمّ استدعاء اسمه القدّوس من أجل اتّحادٍ مُلوّثٍ بخطيئة الزنى أو الممارسة المثليّة".

 

في الواقع، البركةُ في ذاتها تشمل الإنسان كلَّه، لكنّ البركة غيرُ موجّهةٍ أساسًا وتحديدًا إلى ارتباط الإنسان لتُضفي عليه مشروعيّةً. وبمعنًى آخر، لا تُوجّه الكنيسة الكاثوليكيّة بركتها إلى "الاتّحاد الملوّث بالخطيئة" بل هي تُبارك الإنسان؛ والإنسانُ أكبرُ من خطيئته، ولا يمكن النظر إليه والتعامل معه من خلالها وحَسْب.

  1. اعترضت أبرشيّات أفريقيا على "البيان" مُؤكّدةً على أهمّيّة الحفاظ على عقيدة الكنيسة الكاثوليكيّة؛ وهذا لا غُبار عليه. وقد عبَّرت، في المقابل، عن خشيتها من عدم استيعاب المؤمنين في كنائسها الفَرقَ بين البركة والسرّ، ممّا سيخلقُ التباسًا وارتباكًا إيمانيَّين. وهنا نقول إنّ الوسيلة الفضلى هي في شرح الحقائق للمؤمنين لتوعيَتهم، وليس في رفضِ كُلّ جديدٍ خوفًا من الانفلات.

ثالثًا: قراءةٌ في السند اللاهوتيّ

لم يأت هذا القرار استجابةً لرغبةٍ شخصيّةٍ عند قداسة البابا، أو خضوعًا لضغوطاتٍ معيّنة، فإنّ "البيان" قد أشار في أكثر من مكانٍ إلى أنّه من واجب الكنيسة أن تعكسَ لإنسان اليوم صورةَ معلّمها يسوع المسيح ومحبّتَه غير المشروطة للبشر. وما البركة التي تمنحها الكنيسة لطالبيها، بواسطة الكهنة، إلاّ انعكاسًا لمحبّة المسيح نفسه الذي لم يَرُدَّ إنسانًا خاطئًا بل كان يستقبلُ الجميع بمحبّته الأبويّة.

في الواقع، نلمحُ في مسيرة الكنيسة الكاثوليكيّة، ولا سيّما في السنوات الأخيرة، وَعيًا مُتزايدًا لدورها في أن تعكس صورة المسيح المحبّ للبشر؛ وأن تفهم على نحوٍ أفضل إرادة المسيح، وتسعى لأن تعكسها في عالم اليوم. وعليه، فالبركة هي مجالٌ وفُسحةٌ يمكن الكاهن من خلالها أن يسأل لطالبَيها رحمة الربّ ومعونته ونوره.

في إطار الاعتراض، يُعلنُ البعض أهمّيّة قبول مثليّي الجنس، لكنّ من غير أن يُمنَحوا البركة، بل أن يُدعَوا إلى التوبة، إن اعترفوا مُسبقًا بأنّهم يعيشون في حالة الخطيئة! وهنا يُطرح السؤال: هل قبول الآخر يجب أن يشترطَ إعلان توبته أوّلًا؟ أم أنّ التوبة قد تأتي نتيجةً لقبولنا الشخص كما هو؟ يمكننا العودة إلى مشهد "زكّا العشّار" (لوقا 19: 1-10) الذي كان يعرف أنّه إنسانٌ خاطئ، ولكن إذ رآه المسيح، دعاه وذهب للإقامة في بيته، وعندئذٍ أعلن زكّا توبته وحصل الخلاص لبيته. والأمر نفسه ينطبق على "المرأة الزانية" (يوحنّا 8: 1-11)، فالربُّ لم يشترط عليها أن تتوبَ ليحميها مِن راجميها؛ لكنّه بعدما فعل ذلك، طلب منها ألاّ تعود إلى الخطيئة من بعد.

رابعًا: واقعُ الإشكال وحَلُّه

مَن يخرُجُ من الأفق الضيّق لمختلف ردود الفعل يرى بوضوحٍ أنّ الإشكال القائمَ اليوم ليس عقائدياً، إذ إنّ الكنيسة في بيانها ذكرت أكثر من مرّةٍ أنّها ثابتةٌ على عقيدتها في ما يخصُّ الزواج. فالإشكال رعويّ، أي إنّه يُجيبُ عن موقف الكنيسة إذا ما تقدَّمَ إلى أحد كهنتها زوجان مثليّان يطلُبان البركة. وتصنيف الإشكال رعويًّا أمرٌ مهمٌّ جدًّا، إذ يُسهم في فهمٍ أدقٍّ لحجمه، ويُشير بوضوحٍ إلى أساليب مقاربته. وعليه، فمن الأنسب أن تكونَ معالجته محصورةً في البعد الرعويّ، ولا سيّما أنّ الكنيسة الكاثوليكيّة أكّدت مرارًا، ولا تزال تُؤكّد، ثباتها على عقيدتها التقليديّة.

 سمحت الكنيسةُ الكاثوليكيّةُ لكهنتها بمباركةَ مَن يطلبُ من الأزواج الذين يعيشونَ ارتباطًا غير صحيحٍ، بشرط ألاَّ يُفهَمَ من ذلك موافقةً على حالتهم أو ارتباطهم؛ وهي بذلك تعكس، في تَوجُّهها الجديد، صورة المسيح الذي كان يتكلّم مع الجميع، ولا سيّما الخاطئين، ويُقيمُ في ما بينهم، سعيًا منه لحصولهم على الخلاص.

فالموضوعَ كلَّه لا يستحقّ هذا الحجم من التشكيك والاتّهام والاعتراض، لأنّه ليس جوهريًّا، ولا يرتبطُ بالعقائد الإيمانيّة والثوابت الكنسيّة، بل بممارسةٍ تقويّةٍ اعتياديّة. فَلننظر إلى هذه المسألة بموضوعيّةٍ من دون مزايداتٍ عاطفيّةٍ تفتقرُ إلى المنطق وتبتعد عن عُمق اللاهوت المسيحيّ.