المصدر: النهار
الكاتب: روزانا بو منصف
الجمعة 20 آذار 2026 07:12:44
الخطاب الذي اعتمده الخارج المهتم بلبنان حتى الآن، أكان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أم الدول الأوروبية، يتصل بواقع ترداد أن "الشعب اللبناني لم يختر هذه الحرب، وحزب الله يتحمل المسؤولية الكاملة عن استدراج الحرب الإسرائيلية لمصلحة إيران وليس لمصلحة اللبنانيين والجنوبيين أو لحمايتهم". وفيما يستند هذا الخطاب بقوة إلى مواقف أركان الحكم في لبنان، سواء ما جاء على لسان رئيس الجمهورية جوزف عون أو رئيس الحكومة نواف سلام، وهو ما يفسر استمرار مطالبة الحزب الحكومة بالتراجع عن قراراتها حظر الشق العسكري والأمني منه، أو قرار حصر السلاح، بات اقتراح الحلول لإنهاء الحرب يستند إلى خلاصات تبدو شبه محسومة، وهو ما يثير التساؤل الجدي عن قدرة الحزب على تعديل هذه الخلاصات حتى لو اعتبر أنه "سينتصر" في الميدان، أو لناحية الجدوى من استمراره في حرب تستنزفه وتستنزف لبنان أكثر.
والواقع أن كثرا يربطون هذا التساؤل بواقع أن الحزب يخوض حرب إيران، وتاليا فإن ما تسعى إليه الأخيرة هو تعزيز أوراقها والتفاوض عليها ومنع القضاء على نفوذها على البحر المتوسط، ولا سيما بعد خسارتها سوريا، وهو مكسب للحزب الذي بات ينظر إليه متماثلا مع إيران كليا من دون أيّ تمييز. في المقابل، السقف لنهاية الحرب في لبنان بات محددا بما أعلنه لبنان لجهة استعداده للذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وهو ما يقيم قطيعة كلية مع ما يرفعه الحزب من شعارات أو منطق. وأيا تكن أوراق الدولة اللبنانية وقوتها، فإن مقدرات الحزب لا تدخل من ضمن هذه الأوراق حتى في ظل سقف رئيس مجلس النواب نبيه بري للتفاوض الذي يبدأ بوقف النار، وهذا مطلب حق لا بد أن يترافق في مسار خطوة مقابل خطوة بين إسرائيل ولبنان، فيما يتحمل الحزب مسؤولية تحويل لبنان إلى ساحة حرب خدمة لدولة أجنبية، وفقا ما جاء في الخطاب الرسمي لرئيس الجمهورية.
وفي دلالة بارزة ومعبّرة، شارك لبنان عبر وزير خارجيته يوسف رجي في الاجتماع التشاوري الذي عقد في الرياض للبحث في التصعيد الإيراني، وقد خلص إلى ربط مستقبل العلاقات مع إيران باحترامها سيادة الدول، مع تخصيص لبنان بـ"دعم أمن الأراضي واستقرارها ووحدتها، وتفعيل سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، ودعم قرار الحكومة حصر السلاح بيد الدولة". وأعرب المجتمعون عن إدانتهم "عدوان إسرائيل على لبنان وسياستها التوسعية في المنطقة".
هذا الاصطفاف واضح من ضمن المنطقة إزاء إيران، إنعاشا للبعد العربي، بعيدا من الاصطفاف الطائفي الذي يتم اللعب عليه أيضا. والأمر مهم من زاوية قول رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو هذا الأسبوع "نحن نصنع شرق أوسط جديدا"، وإعلان رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد قادر قاليباف أن "وجه الشرق الأوسط سيتغير بعد الحرب"، مشددا على أن ما تريده الولايات المتحدة لن يتحقق، وأن بلاده ستعمل بعد انتهاء الحرب على إرساء "نظام إقليمي مع الدول الإسلامية في المجالين الاقتصادي والأمني"، وهكذا فإن خيارات لبنان تبدو مفصلية وصعبة جدا ودقيقة وسط ما يحصل.
الأمر الآخر لجهة صعوبة نجاح الحزب في تعديل إطار الحل بناء على كسب ميداني ما، على رغم أن هامشه ضيق وبات محشورا جدا، يرتبط بحجم الضغوط على الدولة اللبنانية للسير بآلية عملانية لنزع السلاح وعدم الاكتفاء بالقرارات والمواقف، وهو ما يترك مجالا كبيرا لما يعتقده البعض "انتصارا" أو مكسبا للحزب من هذه الحرب، علما أنه في حال حصول ذلك، لن يترجم إلى ما يسعى إليه الحزب من شراكة مع الدولة في القرار أو السيادة. فهو لن يتاح له أن يعدل أي شيء في هذه المعطيات أو أن يعاد صياغة تفاهمات مماثلة لتلك التي حصلت على أثر الحروب السابقة معه ومع إسرائيل. وحتى لو كان الحد الأدنى المطلوب من لبنان هو الذهاب إلى إحياء اتفاق الهدنة، فلا أحد يمكن أن يتضرر من ذلك أكثر من إسرائيل سوى الحزب نفسه، فيما سيواجه لبنان في الأيام المقبلة مرحلة شديدة الصعوبة قياسا بالخسائر الفادحة التي تكبدها نتيجة للحرب التي أخذه إليها الحزب، واستحالة إمكان النهوض مجددا من دون التزام هذه المعايير. الواقع اللبناني أسوأ مما كان بعد حرب 2006 وأسوأ مما بعد 2024. وثمة انتظار فعلي على ضفة النهر...