المصدر: النهار
الكاتب: سلوى بعلبكي
الثلاثاء 27 كانون الثاني 2026 07:32:03
يحمل قرار هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان بتجميد حسابات أشخاص وشركات، محلية وأجنبية، أكثر من بعد إجرائي صرف، إذ يندرج في لحظة دقيقة تختبر فيها الدولة قدرتها على إعادة تفعيل أدوات الرقابة المالية بعد سنوات من التعطيل والارتباك. فالقرار، الصادر بالإجماع لمدة زمنية محددة، يعكس مقاربة حذرة تقوم على التحفظ الموقت على الأموال من دون استباق أيّ خلاصات قضائية، لكنه في الوقت عينه يفتح الباب أمام قراءة أوسع تتصل بطبيعة الملفات التي خضعت للتدقيق، وبالتقاطعات المالية المحتملة بين أشخاص طبيعيين وكيانات قانونية داخل لبنان وخارجه.
في التفاصيل، أصدر مصرف لبنان، عبر هيئة التحقيق الخاصة، قراراً بتجميد حسابات عدد من الأشخاص الطبيعيين والشركات، لبنانية وأجنبية، لمدة 6 أشهر قابلة للتمديد، في إجراء احترازي يندرج ضمن صلاحيات الهيئة في إطار مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، علماً بأن بعض الأسماء المدرجة لها علاقة بملفّي شركات التأمين، و"الكازينو" وشركة betarabia.
القرار، الصادر بالإجماع بعد الاطلاع على تقرير أعده الأمين العام للهيئة، نص على تجميد الحسابات المصرفية وعدم التصرف بمحتويات الخزنات الحديدية العائدة للأسماء الواردة فيه، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لدى جميع المصارف والمؤسسات المالية العاملة في لبنان، فيما استثنى القرار حساب توطين الراتب بشرط الرجوع للهيئة.
من الناحية القانونية، يستند هذا الإجراء إلى القانون رقم 44/2015، الذي يجيز لهيئة التحقيق الخاصة اتخاذ تدابير سريعة عند توافر مؤشرات تستوجب التدقيق في حركة الأموال ومصادرها. ويؤكد خبراء قانونيون أن التجميد لا يشكل حكماً قضائياً ولا إدانة، بل هو إجراء موقت يهدف إلى منع التصرّف بالأموال ريثما تستكمل التحقيقات، والتحليلات المالية اللازمة، وتالياً جلاء الأمور قضائياً.
ويحدد القانون مهلة واضحة للتجميد تبدأ بـ6 أشهر قابلة للتمديد مرة واحدة، في محاولة لمنع تحوّل الإجراء إلى عقوبة غير مباشرة، وضمان الحد الأدنى من حماية الحقوق.
وشمل القرار عدداً من الأشخاص الطبيعيين اللبنانيين، وهم: هشام محمد الأمين عيتاني، داني نمر عيد، جورج الياس الغريب، سركيس الياس سركيس، جوزف لاوون لاوون، إيلي جورج عبود، ويوسف طانيوس لاوون.
الأسماء الواردة أرفقت ببياناتها الشخصية الكاملة، من تواريخ الولادة وأرقام السجلات، في خطوة تُعد اعتيادية في قرارات الهيئة وتهدف حصراً إلى التحديد الدقيق للهويّة ومنع أي التباس، من دون أن تنطوي على أيّ توصيف قانوني أو اتهامي.
ولعل أكثر ما هو لافت في الأسماء الواردة في قرار الهيئة، هو اسم نقيب المحاسبين المجازين إيلي عبود، بما استدعى تعليقاً من النائب فريد البستاني على حسابه على منصة "X" إذ اعتبر أن "قرار تجميد الحسابات، وعدم التصرف بموجودات الخزنات الحديدية العائدة بصورة مباشرة أو غير مباشرة لنقيب المحاسبين المجازين إيلي عبود المتهم بقضية ابتزاز شركات التأمين المتعلقة باتهامات الفساد بحق وزير الاقتصاد السابق أمين سلام، تعد خطوة ممتازة على طريق كشف الحقيقة ومحاسبة الفاسدين."
الوكيل القانوني للوزير السابق أمين سلام المحامي سامر حسن الحاج قال إن "القرار الصادر عن هيئة التحقيق الخاصة لدى مصرف لبنان، والمتعلق بإيلي عبود، لا يتناول الوزير أمين سلام ولا يرتبط بملف شركات التأمين أو بأيّ قضية عالقة تتعلق بوزارة الاقتصاد". بيد أن البستاني عاد وأوضح أن "الإخبار المقدم بحق النقيب عبود والوزير السابق سلام وآخرين قدم من قبله بصفته رئيساً للجنة الاقتصاد النيابية وبإجماع اعضاء اللجنة، بعدما تبيّن لها مخالفات مالية وهدر مال عام، وقد انتهى دورها الرقابي لحظة إحالة التقرير والمرفقات إلى القضاء المختص انطلاقاً من مبدأ فصل السلطات واستقلالية القضاء".
وشمل القرار عدداً من الشركات والكيانات القانونية، من بينها شركات مسجلة في لبنان مثل: Game Cooks SAL، Game Cooks Holding SAL (شركة قابضة)، GMEC ش.م.ل، وOlive Support Services، إضافة إلى شركات مسجلة خارج لبنان، أبرزها Afrijeux Tchad في تشاد، وIK Holding Limited في قبرص.
اللافت في القرار هو الجمع بين أشخاص طبيعيين وشركات لبنانية وأجنبية ضمن إجراء واحد، ما يرجح وجود ترابط مالي أو عمليات متقاطعة تخضع للتحليل، سواء عبر حسابات مصرفية مشتركة، أو تحويلات مالية داخلية وخارجية، أو هياكل قانونية متداخلة.
وبحسب مصادر مطلعة، تعتمد هيئة التحقيق الخاصة في مثل هذه الملفات على تحليل معمق لحركة الأموال، وتوقيت العمليات، والجهات المستفيدة الفعلية، من دون افتراض نتائج مسبقة، على أن يبنى أيّ مسار لاحق على خلاصات تقنية موثقة.
ويبدو أن هذا القرار يأتي في سياق التزامات لبنان تجاه المعايير الدولية لمكافحة تبييض الأموال، ولا سيما في ظل المتابعة المستمرة من مجموعة العمل المالي (FATF). وتؤكد مصادر قانونية أن الهيئة تعمل ضمن شبكة تعاون مع وحدات الاستخبارات المالية في دول عدة، ما يتيح تبادل المعلومات عند الاشتباه في عمليات عابرة للحدود. ولا يستبعد أن تكون التحقيقات الجارية مرتبطة بتقارير واردة من مصارف لبنانية أو جهات رقابية خارجية، التزمت بواجب الإبلاغ وفق المعايير الدولية.
نص القرار على الرجوع إلى الهيئة في ما خص السحوبات من حسابات توطين الرواتب، وهو بند يعكس مقاربة تعتمدها الهيئة في حالات مماثلة، تقوم على الموازنة بين حماية التحقيق ومنع الإضرار المعيشي غير المبرر بالأفراد، من دون أن يفرغ الإجراء الاحترازي من مضمونه.
يبقى القرار الحالي خطوة أولى ضمن مسار قد يتخذ اتجاهات عدة، من بينها رفع التجميد في حال انتفاء الشبهات، تمديده ضمن المهلة القانونية، أو إحالة الملف إلى القضاء المختص إذا أظهرت التحقيقات معطيات تستوجب الملاحقة. أما في ما خص الشركات الأجنبية، فقد يمتد المسار إلى طلب تعاون قضائي أو مالي دولي وفق الأطر القانونية المعتمدة.
وبعيداً من الأسماء الواردة، يرى متابعون أن مثل هذه القرارات تحمل رسالة مزدوجة داخلياً وخارجياً. داخلياً، محاولة تفعيل أدوات الرقابة المالية بعد سنوات من الانهيار وفقدان الثقة. وخارجياً، إشارة إلى التزام لبنان، ولو بالحد الأدنى، بالمعايير الدولية المطلوبة لتفادي مزيد من العزلة المالية.