واشنطن تطلق مساراً ديبلوماسياً جديداً في مفاوضات تشرين

لم تكن للقاء بين سفيري لبنان وإسرائيل في وزارة الخارجية الأميركية، أبعاد سياسية مهمة، سوى تعبئة الفراغ في الوقت الحاضر، والإبقاء على الجسور قائمة تمهيدًا لجلسة المفاوضات الثامنة المقررة في روما في تشرين الأول المقبل.

ورغم أنَّ الأسباب المعلنة التي آلت إلى تأجيل المفاوضات من أيلول إلى تشرين أصبحت معروفة، وهي الأعياد اليهودية الكبرى، ومؤتمر دولي للمانحين في باريس لدعم القوات المسلحة اللبنانية، واستعدادات تجريها حكومات عدة لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة المرتقبة في نيويورك في وقت لاحق من هذا الشهر، إلا أنَّ مصادر دبلوماسية مقرّبة من وزارة الخارجية الأميركية أكدت أن الإدارة الأميركية تتوجّس من إمكانية انهيار المفاوضات نتيجة التوتر في الميدان الجنوبي. لذلك سارعت إلى التحرّك سريعًا، وحددت موعدًا للقاء السفيرين اللبناني والإسرائيلي من جهة، وضربت موعدًا للمفاوضات في تشرين الأول المقبل من جهة أخرى. وتأتي بينهما زيارة رئيس الوزراء نواف سلام لواشنطن للقاء وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في 28 أيلول الجاري.

 

واشنطن غير مرتاحة 

لكن ما خفي عن كثيرين في هذا الموضوع تكشفه المصادر، وهو أن واشنطن غير مرتاحة إلى الإيقاع البطيء الذي تسلكه المفاوضات، وغير راضية عن النتائج الخجولة التي تحققت في المناطق التجريبية. وتلفت إلى أنه في كل لقاءات المسؤولين الأميركيين، كالسفير الأميركي في لبنان والجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد، مع الرئيس جوزاف عون، يسمعون كلامًا واحدًا، وهو مطالبته بمقترح أميركي أكثر إلزامًا لإسرائيل، بحيث يتضمن جدولًا زمنيًا وآلية تؤدي إلى الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، فيما يطالب الأميركيون بترتيبات أمنية في الجنوب، وتحقيق تقدّم ملموس في تفكيك البنية العسكرية لـِ "حزب الله".

وتؤكد المصادر أن الإدارة الأميركية تعتبر هذه المفاوضات استراتيجية، وستمنع وصولها إلى طريق مسدود. لذا تحركت سريعًا للجم التصعيد الإسرائيلي في الجنوب، وضغطت على تل أبيب لمنعها من متابعة عمليتها العسكرية باتجاه النبطية، وأقنعتها بالبدائل، وكان أهمها انتشار الجيش اللبناني في النبطية، والتدقيق في خلوّها من عناصر "الحزب"، إضافة إلى أن إدارة ترامب أبلغت عون بوجود تواصل مع إسرائيل لتطوير برنامج قد يؤدي إلى الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من الجنوب.

لكن واشنطن مقتنعة، وفق المصادر، بأن هذه التدابير ليست كافية، لذا تنكبّ دوائر القرار فيها على صياغة خطة جديدة لا تتوقف على الانسحاب الإسرائيلي فقط، إنما تنطلق من أسئلة محقة لإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، مثل: من سيسيطر على المناطق التي ستخليها إسرائيل؟ ومن سيراقب الالتزام بالتعهدات؟ وما الضمانات التي ستحول دون تجدّد القتال؟ ومحور النقاش اليوم هو مطالبة لبنان بانسحاب إسرائيلي كامل، بينما تطالب إسرائيل بضمانات تحول دون إعادة "الحزب" بناء قدراته العسكرية بالقرب من حدودها، وضرورة نزع سلاحه في كل المناطق اللبنانية.

لذلكَ تسعى الولايات المتحدة إلى صياغة آلية تلبّي كلا المطلبين في آن واحد. ووفقًا للمعلومات المتاحة، تعكف واشنطن على إعداد برنامج يجمع بين الانسحاب والتحقق والترتيبات الأمنية. وبالنسبة إلى واشنطن، يُعدّ ترتيب هذه المراحل أمرًا حاسمًا، بحيث لا يقدّم أي طرف تنازلًا مجانيًا. وما هو مطروح أميركيًا يستند إلى مبادرة من عون، الذي أبلغ الأميركيين بأنه، في حال توفير ضمانات جدية وواضحة بشأن الانسحاب الإسرائيلي والترتيبات الأمنية، لا مجرّد وعود، فسيكون مستعدًا لطرح مسألة سلاح «الحزب» على طاولة النقاش الوطني. لكن تؤكد المصادر أن المعلومات المتاحة لا تشير إلى التزام رئاسي بنزع سلاح "الحزب" فورًا، وفق جدول زمني متفق عليه، بل يتعلق الأمر بالتزام بفتح الملف رسميًا على المستوى الوطني بمجرد الحصول على ضمانات كافية بشأن الانسحاب الإسرائيلي. وبالتالي، فإن استعداد إسرائيل للانسحاب الكامل من شأنه أن يغيّر بعض معطيات النقاش، إذ سينتزع من "الحزب" إحدى الحجج الرئيسية التي يستخدمها لتبرير الاحتفاظ بترسانة عسكرية مستقلة عن ترسانة الدولة.

وهذا المسار الدبلوماسي سيُطرح في مفاوضات روما في تشرين، وسيقوم على تسلسل محدد للخطوات: أولًا، تأمين التزام ملموس من الولايات المتحدة بشأن الانسحاب الإسرائيلي؛ ثانيًا، تحديد الترتيبات الأمنية وآلية التحقق لتمكين الجيش اللبناني من تسلّم المناطق التي سيتم إخلاؤها؛ وثالثًا، فتح نقاش وطني حول سلاح "الحزب" في لبنان على خط موازٍ. ومن شأن هذا التسلسل الزمني أن يتيح لعون طرح قضية السلاح، ليس باعتبارها تنازلًا أحاديًا لإسرائيل أو الولايات المتحدة، بل كخطوة ضمن مسار يكون لبنان قد أخذ فيه ضمانات جدية بالانسحاب من الجنوب. كما أن هذا النهج يراعي الصعوبات السياسية الداخلية؛ فالمطالبة بنزع سلاح "الحزب" في ظل بقاء القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية تتيح لـِ "الحزب" تصوير هذا المطلب على أنه محاولة لتجريد لبنان من سلاحه في مواجهة إسرائيل.

ولا تستبعد المصادر الدبلوماسية أن تكون هناك صعوبات في إقناع إسرائيل بالالتزام بالانسحاب لمجرد وعود من عون بفتح نقاش وطني حول ملف "الحزب"، لكن الخطة تتضمن ما يطمئن إسرائيل إلى أن المناطق الجنوبية التي ستنسحب منها سينتشر فيها الجيش اللبناني، مع الحرص على آليات إضافية للتحقق بواسطة دولة محايدة.

 

الجيش في صلب الخطة

سيكون الجيش اللبناني في صلب هذه الخطة، وفق المصادر، وتجربة النبطية قد تكون نموذجًا يُطبّق في كل المناطق التي ستنسحب منها إسرائيل، فيمنع عناصر "الحزب" من العودة إليها، وهذا ما يبدّد هواجس إسرائيل من أن يستغل "الحزب" الفرصة للعودة تحت شعار منظمات إنسانية وجمعيات خيرية.

تراعي واشنطن تعدد الآراء في لبنان من المفاوضات، وهي تطرحها على أنها مفاوضات بشأن الأمن والانسحاب وتنفيذ الترتيبات القائمة، وليس كبداية لتطبيع دبلوماسي. وترى المصادر أن الجولة الثامنة في تشرين قد تكون حاسمة؛ إذ سيسعى الوفد اللبناني إلى الحصول على توضيحات بشأن الانسحاب الإسرائيلي، بينما ستسعى إسرائيل إلى الحصول على ضمانات تتعلق بالمناطق التي ستنسحب منها قواتها. وسيكون الدور الأميركي محوريًا؛ إذ يتعين على واشنطن تحويل الالتزامات العامة إلى جدول زمني دقيق بما يكفي لإقناع الطرفين. وقد يتخذ الاتفاق شكل مراحل متتابعة، لكن سريعة وليست وفق الوتيرة السابقة: انسحاب إسرائيلي من منطقة ما، ودخول الجيش اللبناني، وعملية التحقق، ثم الانتقال إلى المنطقة التالية. ومن شأن هذا النموذج أن يقلل من مخاطر الانسحاب الشامل من دون وجود آلية بديلة لتولي المهام. كما سيتيح ذلك لإسرائيل التحقق تدريجيًا من عدم قيام "الحزب" بإعادة احتلال المناطق التي تم إخلاؤها عسكريًا.

لكن لا يغيب عن الإدارة الأميركية أن الانتخابات الإسرائيلية قد تكون عاملًا سلبيًا في المفاوضات التشرينية في روما، وهناك قناعة متزايدة لدى واشنطن بأنها، إذا فشلت في الحصول على جدول زمني دقيق من إسرائيل، فلن يملك عون سوى القليل من الحجج لطرح ملف "الحزب" للنقاش وفق الشروط المطروحة حاليًا.

ليس معروفًا إلى أي مدى تستطيع واشنطن أن تقنع إسرائيل بفكرة الانسحاب من الجنوب اللبناني مقابل وعود من عون بطرح مسألة سلاح "الحزب"، وهذا "لغم" قد يعقّد المفاوضات، مع إمكانية تحقيق خرق إذا طرحت واشنطن فكرة الانسحاب التدريجي مقابل انتشار الجيش اللبناني، والتحقق من عدم عودة "الحزب" بواسطة دولة ثالثة. فهل تكون هذه الخطة هي الخطوة التالية؟