وثيقة تأسيسية لمرحلة جديدة في تاريخ لبنان.. ومن يعرقل فليتحمّل العواقب

اتُّخذ القرار الحاسم، برعاية أميركية مباشرة ودعم دولي وعربي: لا سلاح خارج الشرعية اللبنانية، ولا انسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان إلا بعد تفكيك البنية العسكرية لـ "حزب الله"، ولا مكان لإيران في لبنان. فقد شكّل البيان الثلاثي المشترك الصادر عن الولايات المتحدة الأميركية ولبنان وإسرائيل، عقب الجولة الرابعة من المفاوضات في وزارة الخارجية، وثيقة تأسيسية لمرحلة جديدة في تاريخ لبنان الحديث.

الأهمية الاستثنائية للبيان لا تكمن فقط في تثبيت وقف إطلاق النار، بل في اللغة السياسية التي استخدمها، والتي تُعدّ الأهم منذ اتفاق الهدنة عام 1949، لأنه يحدّد بصورة واضحة ونهائية الجهة التي تمتلك حق تقرير مستقبل لبنان: الدولة اللبنانية وحدها، ويرفض بشكل صريح أن يبقى مستقبل لبنان رهينة لأي دولة أو جهة غير حكومية.

والأكثر دلالة أن البيان السيادي وضع للمرة الأولى إطارًا واضحًا يقوم على سيطرة الجيش اللبناني الحصرية على الأرض اللبنانية، وإنشاء مناطق نموذجية خالية من أي وجود مسلّح خارج الدولة، والعمل على تفكيك الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة ومنع إعادة تشكّلها مستقبلًا.

الفرصة الأخيرة
ومن باب المسؤولية، وضع رئيس الجمهورية جوزاف عون كل الأطراف السياسية أمام مسؤولياتها عندما وصف الاتفاق بأنه الفرصة الأخيرة، وإلا فليتحمّل كل فريق مسؤولياته. هذا الكلام يشكّل إعلانًا صريحًا بأن لبنان بلغ نهاية الطريق.
لقد تصرّف الرئيس عون في هذه المرحلة كرئيس دولة، دقّ ناقوس الخطر ليقول: "اللهم قد بلغت"... لم يبع اللبنانيين أوهام الانتصارات، ولم يختبئ خلف الشعارات، بل وضع الجميع أمام الحقيقة: هناك فرصة تاريخية لإنقاذ لبنان وإعادته إلى موقع الدولة الطبيعية القادرة على بسط سلطتها على كامل أراضيها واستعادة ثقة العالم العربي والمجتمع الدولي، وهناك في المقابل طريق آخر يقود إلى مزيد من العزلة والخراب والانهيار.
وفي هذا السياق، علمت "نداء الوطن" أن الرئيس عون تواصل مع القطريين للضغط على إيران لتجنيب لبنان جولة خراب جديدة، خصوصًا أن طهران استنجدت بالدوحة لوقف قصف الضاحية. كما طرح الرئيس عون أمام الموفد الفرنسي جان إيف لودريان إمكانية تدخّل فرنسا لدى طهران لوقف العمل ضد إرادة الدولة اللبنانية.
توازيًا، تقاطع موقف رئيس الحكومة نواف سلام مع موقف الرئيس عون بدعم طريق التفاوض، مؤكدًا في مطلع جلسة مجلس الوزراء أن "مسار التفاوض هو الطريق الأسرع والأقل كلفة على لبنان واللبنانيين، وعلى الجنوب والجنوبيين". وقال: "كل ساعة تمرّ من دون تنفيذ هي ساعة يدفع ثمنها الجنوب وأهله. والمطلوب من جميع الأطراف أن تقدّم مصلحة لبنان وشعبه على أي مصلحة أخرى، خارجية أو فئوية، وأن تتحمّل مسؤولياتها".
رد الوصي والموصى عليه
في المقابل، لم يتأخر رد الوصي، إيران، والموصى عليه، "حزب الله"، على البيان المشترك، باعتبار أن رفض الحزب للاتفاق نابع من كلمة سر إيرانية وصلت إليه بعدم السير بما توصلت إليه الدولة اللبنانية من اتفاق في واشنطن. فخطاب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم بدا أقرب إلى إعلان رفض للدولة نفسها منه إلى اعتراض على بنود اتفاق أو تفاهم سياسي. فالشيخ قاسم، الذي أمضى خطابه متحدثًا عن السيادة، رفض أول إنجاز سيادي حقيقي تحققه المؤسسات الدستورية اللبنانية، والذي تحدث عن الوحدة الوطنية، هاجم المسار الذي أعاد القرار إلى الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني.
أما كلامه عن أن الحزب "لم يعطِ التزامًا لأحد بعدم مقاومة العدوان والرد عليه"، فلا يشكّل فقط نسفًا لجوهر التفاهم الذي تسعى الدولة إلى تثبيته، بل يمثّل إحراجًا مدويًا لرئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي أعلن أكثر من مرة أنه يضمن التزامًا كاملًا وفوريًا من الحزب بوقف إطلاق النار.

أما الرد الإيراني الفاقع والغاصب لتحدثه نيابة عن الشعب اللبناني، فقد جاء في بيان للحرس الثوري قال فيه: "لن يسمحَ الشعب اللبناني للكيان الغاصب بأن يحقق، عبر اتفاق مفروض، ما عجز عن تحقيقه في الحرب". وأشار قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني إلى أن المطلب الأساسي في لبنان هو انسحاب إسرائيل إلى المواقع التي كانت تسيطر عليها قبل اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، مبشّرًا المقاتلين بأنهم "سيجنون قريبًا ثمار المقاومة".

وبحسب مصادر، تتخوّف الدولة اللبنانية من جولة حرب جديدة، عندها لن يكون الأميركي في موقع المتضامن مع لبنان، لأن من رفض الاتفاق هو "حزب الله"، وبذلك قد يطلق ترامب يد نتنياهو، خصوصًا أن موقف قاسم سيصعّب الأمور وسيجعل الجنوب ومعظم المناطق عرضة للتهجير والتدمير، كما يغلّب المصالح الإيرانية على مصلحة أهل الجنوب ولبنان.
مواكبة سعودية فرنسية
وفي إطار الحراك الدبلوماسي الداعم، لفتت مواكبة سعودية داعمة لمسار المفاوضات، حيث لعبت المملكة دورًا إيجابيًا بين واشنطن وبيروت، وعلى خط عين التينة على وجه الخصوص، لإقناع الرئيس بري بالموافقة على البيان المشترك.
وفي السياق، جال الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان على المسؤولين اللبنانيين، وأعرب عن أمله في أن تؤدي المفاوضات التي تتم في واشنطن بين الوفود اللبنانية والأميركية والإسرائيلية إلى نتائج إيجابية تحقق وقفًا ثابتًا لإطلاق النار، وإنهاء لمعاناة اللبنانيين عمومًا وأهل الجنوب خصوصًا.
اختبار نية
وفي اختبار نية لمدى جدية الدولة اللبنانية، بعث الجيش الإسرائيلي برسالة إلى الجانب اللبناني، بانسحابه من منطقة دبين. وقد عملت وحدة من الجيش اللبناني على إزالة سواتر ترابية على طريق دبّين كان قد وضعها الجيش الإسرائيلي، مما أعاد فتح طريق مرجعيون – دبّين – إبل السقي، بالتزامن مع الانسحاب الإسرائيلي من منطقة دبّين، حيث نفذت الوحدات العسكرية انتشارًا تدريجيًا بعد التواصل مع لجنة الإشراف على وقف الأعمال العدائية (Mechanism) وبالتنسيق مع اليونيفيل، فيما أجرت الوحدات المختصة مسحًا هندسيًا للمنطقة بهدف إزالة الذخائر غير المنفجرة.

وعلى الرغم من التوصل إلى ترتيبات جديدة لوقف إطلاق النار، استمر القصف والغارات جنوبًا وعلى البقاع الغربي. ولفت موقف وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الذي قال: "سنبقى في المنطقة الأمنية بلبنان، وتشمل قلعة الشقيف حتى الخط الأصفر، مع منع عودة السكان إليها، ولإسرائيل حرية العمل بدعم أميركي لمهاجمة بيروت ردًا على أي إطلاق نار في اتجاه المستوطنات أو إسرائيل".