وحدات "صيد الدرونات".. حزب الله يعيد تعريف "معركة السماء" تحسّبا للمواجهة الكبرى

كشفت مصادر أمنية لبنانية مطّلعة لـ"إرم نيوز" أن حزب الله بدأ خلال الأسابيع الأخيرة تفعيل ما يشبه "وحدات صيد الدرون" في عدد من مناطق جنوب لبنان والبقاع الغربي، في إطار استعدادات غير معلنة لمرحلة تصعيد إقليمي واسع، يُتوقع أن تتزامن مع أي ضربة عسكرية كبيرة ضد إيران، وما قد يترتب عليها من توسع تلقائي للجبهة اللبنانية.

وبحسب هذه المصادر، فإن التحرك لا يندرج ضمن بناء دفاع جوي تقليدي، بل يقوم على مقاربة مختلفة تماما هدفها الأساسي تحييد التفوق الاستخباري الإسرائيلي في الجو، لا إسقاط الطائرات المسيّرة بالضرورة. وتضيف المصادر أن الحزب يتعامل مع الدرون اليوم بوصفها "الركيزة الأولى للحرب المقبلة"، وأن أي تعطيل لدورها سيؤثر مباشرة على دقة الضربات وسرعة إدارة المعركة. 

الدرون أولا

وفقاً لتقدير أمني لبناني، فإن الحزب بات مقتنعا بأن أي مواجهة كبرى مرتبطة بإيران لن تبدأ بصواريخ كثيفة أو باجتياحات برية، بل بمرحلة تمهيد جوي - استخباري تهدف إلى شلّ البنية التشغيلية لمحور طهران، وفي مقدمتها حزب الله.

وتشير المصادر إلى أن إسرائيل، بدعم استخباري غربي، ستسعى في الساعات أو الأيام الأولى لأي حرب، إلى بناء صورة ميدانية شاملة تتضمن المواقع، أنماط الحركة، القيادات الميدانية، والمسارات اللوجستية. وهنا تحديدا يأتي دور المسيّرات، التي تحولت من أداة مراقبة إلى منصة استهداف وقتل مباشر.

في هذا السياق، يرى الحزب أن خسارة السماء تعني خسارة المعركة قبل أن تبدأ، وأن مواجهة التفوق الجوي بالصواريخ فقط خيار مكلف ومحدود الفعالية، وقد يؤدي إلى تصعيد سريع لا يريده الحزب في توقيت غير مناسب. لذلك، جرى الانتقال إلى خيار أكثر هدوءا وأطول نفَسا، من خلال تحويل المسيّرات من عين فعالة إلى عبء تشغيلي.

كيف تعمل "وحدات صيد الدرون"؟

تصف المصادر الأمنية هذه الوحدات بأنها مجموعات صغيرة، مرنة، وغير مركزية، تعمل وفق مبدأ "الإزعاج والتعطيل" بدل الاشتباك الصريح. وتشير إلى أن الأدوات المستخدمة ليست صواريخ أو رادارات مكشوفة، بل مزيج من إطلاق نار انتقائي، تشويش محلي منخفض المدى، وتموضع ناري مفاجئ من زوايا متعددة.

وبحسب المصادر، فإن الهدف ليس إسقاط كل مسيّرة، بل إجبارها على تغيير سلوكها، مثل الارتفاع أكثر، الابتعاد عن نقاط حساسة، أو قطع مهمتها قبل اكتمالها. وفي منطق الحرب الحديثة، فإن مسيّرةً تُجبر على الانسحاب أو تفقد دقة الصورة تعادل مسيّرةً أُسقطت، من حيث تعطيل الفائدة العملياتية.

وتشير المصادر إلى أن هذه الوحدات تعمل بتنسيق محدود، ومن دون نمط ثابت، لتفادي الرصد والتعقب. كل مجموعة تعرف نطاق عملها، وتتحرك وفق معطيات محلية، ما يجعل تفكيك الشبكة أو ضربها دفعة واحدة أمرا بالغ الصعوبة. 
إطفاء البصمة.. حين تصبح الحركة نفسها هدفا

تؤكد مصادر "إرم نيوز" أن أخطر ما في الاستراتيجية الجديدة ليس السلاح المستخدم، بل تغيير سلوك الحركة على الأرض. فالحزب بات يعتبر أن أي نمط متكرر، مهما كان بسيطا، يمكن أن يتحول إلى هدف قاتل في زمن الدرونات.

لذلك، جرى تقليص الحركة النهارية في بعض المناطق الحساسة، ونقل أنشطة محددة إلى ساعات الفجر أو الليل، مع الاستفادة من الظروف الجوية الرديئة التي تقلّص فعالية الاستطلاع الجوي. كما تم تشديد إجراءات تقليل البصمة الإلكترونية، من استخدام الأجهزة إلى أسلوب التواصل، وصولا إلى تفكيك التجمعات الكبيرة إلى وحدات صغيرة متباعدة.

في هذا الإطار، لا يسعى الحزب إلى "السيطرة على السماء"، بل إلى جعلها غير مفيدة للخصم؛ ذلك أن مسيّرة تحلق بلا أهداف واضحة، أو بلا صورة دقيقة، تفقد قيمتها العملياتية وتحوّل التفوق الجوي إلى عبء مكلف، يحتاج إلى وقت أطول وموارد أكبر لتحقيق نتائج محدودة.

الجنوب.. ساحة اختبار قبل الحرب

ترى مصادر أمنية أن ما يجري في جنوب لبنان ليس سوى مرحلة اختبار لما قد يُعمم لاحقا في حال اندلاع مواجهة إقليمية واسعة. فالجنوب، بتركيبته الجغرافية والبشرية، يُستخدم اليوم كمختبر لتكتيكات تقليل البصمة، وامتصاص الضربات، وإدارة الصراع تحت سقف محسوب.

وتضيف المصادر أن الحزب يدرك أن أي حرب مرتبطة بإيران ستضعه في واجهة الاستهداف المباشر، وأن قدرته على الصمود في الأيام الأولى ستحدد مسار المعركة لاحقا. لذلك، يراهن على تعطيل "الضربة الذكية" أكثر من الرد عليها، وعلى منع الخصم من تحقيق إنجاز سريع يمكن تسويقه سياسيا أو عسكريا.

لكن هذه المقاربة، بحسب تقدير أمني، تحمل كلفة داخلية أيضًا، فهي عبارة عن حرب استنزاف صامتة، تُقيد الحركة، وتضغط على الكوادر الميدانية، وتفرض نمط عيش عسكري طويل النفس، من دون ضمانات حسم أو ردع فوري. 
ما بين منع الهزيمة وكسب الوقت

وفق القراءة الأمنية، فإن "وحدات صيد الدرون" لا تعكس قوة هجومية بقدر ما تعكس محاولة منظمة لمنع الهزيمة السريعة. فالحزب لا يبني بهذه الاستراتيجية نصرًا مباشرًا، لكنه يسعى إلى شراء الوقت، وإرباك بنك الأهداف، ومنع الخصم من تحويل التفوق الجوي إلى حسم مبكر.

وفي سياق إقليمي يتجه نحو مزيد من التصعيد، تبدو هذه الاستعدادات مؤشرًا على أن حزب الله لا يتوقع حربا بعيدة، بل مواجهة محتملة "قريبة زمنيا، مفتوحة جغرافيا، ومركبة استخباريا"، تبدأ من السماء قبل أن تصل إلى الأرض.

تخلص المصادر، إلى أن ما يجري في جنوب لبنان يتجاوز إجراءات أمنية موضعية، نحو إعادة تعريف لمعركة السماء في ظل حرب يُتوقع أن تكون مرتبطة بإيران، حيث تصبح الدرونات أداة الحسم الأولى، ويصبح تعطيلها شرطا أساسيا للبقاء في المعركة لأطول مدة ممكنة.