ماذا كشفت وزيرة التربية عن إلغاء شهادة البريفيه في لبنان؟

التحديات التي يواجهها التعليم في لبنان خلال السنوات الأخيرة غير مسبوقة. فبين الأزمات الاقتصادية والسياسية والصحّية والأمنية، عاش التعليم ضغوطاً هائلة لناحية الكثافة والتتابع.

ورغم غياب مرجعية مركزية لإجراء أبحاث شاملة أو متابعة المؤشرات بشكل موحد، ترى وزيرة التربية والتعليم العالي الدكتورة ريما كرامي أن هناك معطيات كافية لفهم حجم المشكلات، وخصوصاً تلك "التأسيسية" التي تمسّ بنية النظام التربوي. من هنا، تضع الوزارة اليوم أولوية قصوى لموضوع الحوكمة: إعادة تنظيم العمل التربوي، إعادة الاعتبار لدور الدولة كمرجع يضع الاستراتيجيات، يحدّد معايير الجودة، يراقب حسن تطبيقها، ويؤمن التدريب والتمكين للمعلمين والإداريين.

جودة التعليم
توضح كرامي لـ"النهار" أن تحسين جودة التعليم لا يمكن أن يتحقق من دون رؤية واضحة للمتعلم الذي نريد، ولمعلم مؤهّل مجهّز ولظروف عمل لائقة. وتشير إلى أن الحديث عن المناهج لا ينفصل عن هذه الرؤية، إذ إن أي إصلاح يحتاج إلى بيئة مناسبة وداعمة.

الخطوة التالية، بحسب كرامي، تقوم على وضع استراتيجية واضحة للوجهة التربوية التي يريدها لبنان، وتحديد الأولويات بجرأة، بدءاً من إعادة الثقة بالمدرسة الرسمية، معالجة الفاقد التعليمي، تضييق الفجوة مع التعليم الخاص، وصولاً إلى تنظيم مسألة الامتحانات الرسمية وهجرة الكوادر التعليمية.
تاريخ موحّد؟
في ما يخص مادتي التاريخ والتربية على المواطنة، توضح الوزيرة أن المقاربة ستكون "عصرية ومناسبة للمرحلة". الفكرة تقوم على الابتعاد عن نموذج "كتاب تاريخ موحّد" المثير للجدل، نحو إعداد الطالب ليكون مفكراً كمؤرخ: يبحث، يحلّل، ويستخلص. وتشدّد على أن العناوين الكبرى، كالحرب اللبنانية وما تلاها من أزمات، ستُعرض بإجماع وطني، لكن مع إفساح المجال أمام التعددية في السرديات التاريخية، ضمن إطار سردية وطنية جامعة عنوانها أن لبنان وطن متنوّع، ودستوره يحتضن هذا التنوّع، وهو بلد منفتح ملتزم بالمعاهدات الدولية.

وترى كرامي أن هذه المقاربة المتعددة السرديات تتيح للطلاب التعرّف إلى وجهات نظر مختلفة من دون إنكار وجود سردية وطنية أساسية تؤكّد الهويّة والانتماء.

نسب النجاح 

أثير جدل حول نسب النجاح في المرتفعة في الامتحانات الرسمية الأخيرة. في مقاربة كرامي للمسألة، أنه وخلال السنوات الخمس الماضية، وبسبب الأزمة، "تعاملنا مع الطلاب بقدر من التساهل والمرونة، وذلك بدافع إنساني أفخر به. لكن المصلحة التربوية تقتضي التشدد وعدم تغليب العاطفة و"الحنيّة"، سواء تجاه ابني أو منطقتي أو طائفتي. لذلك، كنت ضد خيار تسهيل الامتحانات. فهذه الشهادة ليست معدّة لينجح فيها 90% من الطلاب. وقد واجهت اعتراضات من بعض الأهالي والطلاب على هذا النهج، لكننا استخلصنا دروساً مهمة ستنعكس على الامتحانات المقبلة، حيث ستكون هناك "شدشدة براغي" ضرورية في مختلف المجالات.

إلغاء البريفيه

خلال اللقاء مع كرامي حضر همّ شهادة البريفيه، لاسيما لدى الطلاب الذين رافقوا فريق "النهار". يبادرها الطالب رامي خلف بسؤال عن فائدة امتحان الفصل الثاني مع اتجاه دول إلى الغائها، والبريفيه التي لا يرى فائدة فيها. تجيبه كرامي متبسمة، بإن الإلغاء "جزء من التغيير في العقلية التعليمية التي نعمل عليها. ونحن نسير بالتأكيد في هذا الاتجاه لكن وفق خطة تحتاج إلى مدى زمني"، ما يفهم منه أن هذه السنة لن تشهد خطوة عملية في هذا السياق.

الأقساط المدرسية
المدارس الخاصة تواجه تحدياً كبيراً في ظل الثورة التكنولوجية وتطوير مناهجها. وتفسّر كرامي زيادة الأقساط بحاجة بعض المدارس إلى تصحيح أجور أساتذتها للحفاظ على جودة التعليم، مضيفة: "نحن ندرك أنّ المرحلة انتقالية وصعبة، لكن بعض الإدارات أبدت شفافية مع الأهالي في شرح أسباب الزيادات.

أما دور الوزارة فيكمن في استكمال تعيين المجالس التحكيمية المختصة بحل النزاعات. وننتظر خطوة أخيرة بالتنسيق مع وزير العدل لتفعيل هذه المجالس بما يحمي حقوق العائلات في حال التجاوزات، ويضمن في الوقت نفسه حقوق المدارس. ويبقى التعليم الخاص خياراً".

4 أيام المدرسة الرسمية
وألن يضرب قرار التعليم 4 أيام المدرسة الرسمية؟ تجيب: "طلاب المدرسة الرسمية يثبتون جدارتهم ويتفوقون أحياناً بالحصول على منح جامعية، لكن المشكلة أنّ هذا النجاح لا يشمل جميع المدارس. نحن نعمل وفق موازنة قديمة، ما يفرض علينا الاستمرار حالياً في التعليم لأربعة أيام أسبوعياً، وهو قرار صعب وحزين. في المقابل، نعيد النظر في محتوى المناهج مع المركز التربوي لتخفيف الحشو، ونسعى بالتعاون مع الجهات المانحة لمعالجة الفاقد التعليمي. أما فتح اليوم الخامس فلا يمكن من دون موارد إضافية".

الطلاب السوريون
ملف النازحين يعود إلى الحكومة مجتمعة، ووزارة التربية شريكة في اللجنة الوزارية المعنية، وفق كرامي التي تقول أن "الأرقام متغيّرة باستمرار، ونحن على تواصل أسبوعي مع اللجنة ومع الجهات المانحة لمتابعة التطورات. ولا توجد معطيات استثنائية في الملف راهناً، لكننا ندرس التغييرات في الأعدداد بنحو متواصل".

ما هي خطتكم بالنسبة إلى الطلاب والأساتذة في المناطق المدمّرة؟
"الطلاب المتضررون من الحرب الإسرائيلية يقعون في صلب أولوياتنا. ونحن على تواصل مباشر مع المدارس ومديريها، وسيُعلَن قريباً عن قرار عام يضمن استقبال جميع الطلاب الذين لم يتمكنوا من العودة إلى قراهم، وذلك في أماكن نزوحهم الحالية. وسيُوزَّع الأساتذة بحسب أماكن وجودهم، مع إبقاء المديرين في مواقعهم، التزاماً بواجبنا تجاه هذه القرى الصامدة"، وفق كرامي.