وزير المال ينفي الاتجاه لتحرير سعر الصرف... فهل يصمد الاستقرار أمام الإنفاق؟

يضع تصاعد الإنفاق العام في لبنان الاستقرار المالي والنقدي أمام اختبار جديد، فيما تتزايد المطالب برفع الرواتب والتعويضات وبدلات النقل والنفقات الاجتماعية. فبين الحاجة إلى تحسين القدرة الشرائية للفئات المتضررة من الأزمة، والقدرة المحدودة للدولة على توفير موارد إضافية، يبدو أن معادلة جديدة ستحكم المرحلة المقبلة.

الواقع أن كل إنفاق جديد يحتاج إلى إيرادات إضافية ومستدامة، وإلا تحولت الزيادات الاجتماعية إلى عبء على المالية العامة والاستقرار النقدي.

هذا الواقع حوّل الضغوط المالية المتزايدة إلى تكهنات بإمكان تحرير سعر الصرف بطلب من صندوق النقد الدولي. بيد أن وزير المال ياسين جابر حسم الجدل، نافياً "نفياً قاطعاً" هذا التوجه، ومؤكداً لـ"النهار" أن "ثمة من يريد التخريب ويرمي الإشاعات، كأن لبنان لا تكفيه مشاكله". 

هذا النفي سُمع أيضا من مصادر متابعة للوضعين المالي والنقدي، شددت على أن التوجه لدى مختلف الجهات المعنية، بما فيها المجتمع الدولي وصندوق النقد، ينطلق من أهمية المحافظة على الاستقرار النقدي واستقرار سعر الصرف، من خلال التنسيق بين السلطتين المالية والنقدية.

لكن تثبيت سعر الصرف لا ينفصل عن مسار المالية العامة، ولا سيما في ظل الضغوط المتزايدة لرفع الرواتب والتعويضات وبدلات النقل والنفقات الاجتماعية. وهنا تبرز المعضلة التي تتجاوز في أهميتها مسألة تحرير سعر الصرف أو عدمه. فكيف يمكن الدولة أن تزيد الإنفاق لتلبية الحاجات الاجتماعية، من دون أن تتسبب بضغوط جديدة على الاستقرار المالي والنقدي، في ظل محدودية الإيرادات وعدم توفير الموارد التي يفترض أن تغطي الزيادات؟

ترى المصادر أن الرسالة الأساسية التي يوجهها صندوق النقد في هذا السياق، تقوم على مبدأ "لا إنفاق من دون إيرادات إضافية"، بمعنى أن أيّ زيادات جديدة للرواتب أو التعويضات أو بدلات النقل يفترض أن تكون ممولة بإيرادات واضحة وقابلة للتحصيل. وتلفت إلى أن زيادة ضريبة القيمة المضافة بنسبة 2% يمكن أن تكون من بين الخيارات المطروحة لتوفير موارد إضافية، إلى جانب البحث في مصادر أخرى للإيرادات.

هل تُستخدم أموال مصرف لبنان للدعم؟
في موازاة ذلك، يستمر التنسيق بين وزارة المال ومصرف لبنان بهدف المحافظة على الاستقرار المالي والنقدي، فيما تشدد المصادر على أن "مصرف لبنان لن يوافق على استخدام أموال المودعين لتمويل نفقات إضافية، لكون الأموال المتوافرة لديه تعود في غالبيتها إلى المودعين، وأيّ معالجة للمالية العامة لا يمكن أن تقوم على تحميلهم أعباء جديدة.

 

المعادلة نفسها تصبح أكثر  أهمية في ملف الكهرباء. فمع ارتفاع الأسعار العالمية، تبدو قدرة الدولة على الاستمرار في دعم القطاع محدودة، ما يفرض البحث في إعادة النظر في التعرفة أو توفير مصادر تمويل وإيرادات جديدة، بالتوازي مع تفعيل الهيئة الناظمة وتشجيع إنتاج الطاقة المتجددة، ولا سيما عبر مشاريع الطاقة الشمسية (Solar Farms).

أما في ما يخص الزيادات الاجتماعية، من بدلات النقل إلى التعويضات العائلية والرواتب، فتؤكد المصادر أن "القضية لا تتعلق برفض تحسين أوضاع المواطنين والموظفين، وإنما بضرورة تحديد مصدر التمويل قبل إقرار أيّ إنفاق إضافي. فالإيرادات المقابلة للزيادات التي أُقرت لم تتوافر بعد، فيما لا تزال الإجراءات الضريبية تحتاج إلى تعديلات تسمح بضمان موارد إضافية".

ومن بين الخيارات الممكنة بحسب المصادر "فرض رسوم أو ضرائب إضافية على بعض السلع والخدمات الكمالية، ومنها السيارات الفاخرة التي تتجاوز سعرا محددا، أو السلع ذات القيمة المرتفعة كالذهب والألماس، مع ضرورة احتساب مخاطر التهريب وتأثيرها المحتمل على حجم الإيرادات الفعلية".

سعر الصرف في خطر؟

فيما يصرّ وزير المال على أن "استقرار سعر الصرف يشكل هدفا مشتركا للسلطات اللبنانية وشركائها الدوليين"، تطرح المصادر المتابعة الجانب الآخر من المعادلة. فاستقرار النقد يحتاج في رأيها إلى "استقرار في المالية العامة، وهذا لا يمكن أن يتحقق إذا استمر الإنفاق بالارتفاع من دون إيرادات مقابلة".

لكن المعادلة للتوفيق بين مطالبة اجتماعية مشروعة بتصحيح الأجور والتعويضات والقدرة المالية المحدودة للدولة، تبدو أكثر دقة من مجرد سجال حول سعر الصرف. إذ لطالما أصرّ كل من وزير المال والمعنيين في مصرف لبنان، على ضرورة أن تترافق أي زيادة في الإنفاق مع موارد واضحة ومستدامة، بما يحول دون إعادة إنتاج الحلقة المالية التي ساهمت في تفاقم الأزمة، ويحافظ في الوقت عينه على الاستقرار النقدي وحقوق المودعين. فهل يصبح خيار الضرائب وزيادة الضريبة على القيمة المضافة أمرا لا مفر منه لتوفير الإيرادات؟