المصدر: المدن
الكاتب: خضر حسان
الأحد 30 تشرين الثاني 2025 15:09:55
دمارٌ هائل يُنبىء زائر القرى الجنوبية الحدودية بأنّ تغييراً جذرياً حصل هناك. فالهمجية الإسرائيلية فرضت موتاً ودماراً يهدف إلى جعل تلك القرى مكاناً غير صالح للعيش، لكن الكثير من أبنائها أصرّوا على محاولة التكيّف مع الواقع الصعب، كلٌّ وفق أسبابه وإمكانياته. ومن أوجه التكيُّف، استغلال ركام المنازل المدمّرة لتحصيل المال. ومع ذلك، يهدّد العدوّ الإسرائيلي مورد العيش المستحدَث.
مهنة غير محبّبة
فَرَضَ الدمار الهائل في القرى الحدودية، مساراً اقتصادياً لم يكن يتوقّعه أبناء تلك القرى، وإذا كان بعض العائدين قد رتَّبَ أمور مهنٍ كالحدادة والألمنيوم، فإنّ بعض الشبّان وجدوا في ركام المنازل بديلاً عن مهنٍ أخرى، وأهمّها الزراعة التي باتت شبه معدومة، بفعل عدم سماح العدوّ للمزارعين بالتنقّل بحرية وزراعة أراضيهم.
جذب الركام للأنظار يأتي بفعل كميات الحديد التي يمكن تنقيبها وبيعها لإعادة تدويرها. ورغم قساوة المشهد فإنّ "الواقع يفرض علينا أن ننظر إلى التنقيب في ركام بيوتنا على أنّه مهنة"، يقول أحد الشبّان الذين يعملون في التنقيب عن الحديد في القرى الحدودية، والذي يستطرد في حديث لـِ "المدن"، قائلاً إنّ "نظرة إيجابية يمكن الركون إليها وسط هذا الواقع، وهي اعتبار أنّ البيوت المدمّرة تساعد أبناءها على العيش". هو تناقضٌ يعيشه العاملون في رفع الركام، لكنّه "ضرورة لا غنى عنها ما دمنا قد قرَّرنا العودة إلى قرانا".
الكثير من الشبّان الذين يعملون في هذه المهنة المستجدّة، يفضّلون عدم الحديث العلني أو التصوير، وإنّما العمل في الظلّ "لا لشيء محدّد؛ بل لأنّ لا شيء يُفرِح في التنقيب بين حطام الذكريات".
على أنّ هذه المهنة لا تزال ممنوعة في شرع العدوّ الذي يبسط سيطرته على المنطقة عبر مواقعه المستحدثة داخل الأراضي اللبنانية، أو تلك القديمة المقامة على أراضي القرى السبع المحتلة، ومنها قرية المالكية المجاورة لعيترون، أو قرية قَدَس القريبة من بليدا. فجيش الاحتلال يختار في أي لحظة الإغارة على الجرّافات التي يستعملها الشبّان في رفع الركام وفصل الحديد عنه. ولتفادي ذلك، يعمد بعضهم إلى التنسيق مع الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل لمواكبة هذه العملية، بهدف تأمين الحماية، وهو ما لاحظته "المدن" في قرية حولا التي تشهد دماراً هائلاً، لا سيّما في وسطها وأحيائها الممتدّة باتجاه بلدة مركبا التي استحدث العدوّ موقعاً كبيراً فيها.
مغامرة إزالة الردم
يمارس الاحتلال سياسة استنسابية في المنع أو السماح بإزالة الركام، وهذا ما يجعل الشبّان في حالة ترقّب دائمة، فأحياناً يسعفهم الحظ في إنهاء الورشة وأحياناً أخرى يستهدفهم العدوّ بإطلاق رصاص تحذيري أو قصف الجرافة ليلاً.
وفي قرية بليدا يروي الشاب أحمد حسين تجربته المرّة. ومن على ركام بيت أهله وبيت أحد أشقائه، يؤكّد لـِ "المدن" أنّ الاحتلال "حَوَّلَ اقتصاد المنطقة برمّتها نحو المجهول". وبالنسبة إليه، فإنّ الاستفادة من الحديد والركام "ليس الخيار المطلوب، لكنّه أفضل الموجود الآن، فهو ما يساعدنا على البقاء في أرضنا في حين يردنا العدوّ أن نرحل. ولذلك يقوم باستهداف الآليات المستخدمة في إزالة الركام".
يحكي حسين تجربته بحسرة ظاهرة على وجهه، وهو الذي ينقّب في منزل الأهل وكأنّه يغرف من حنانه لآخر مرّة، ويبتسم ابتسامة حسرة ويقول إنّه "من الممكن لمسيّرة إسرائيلية أن تقصف الجرّافة بصاروخ صغير، أو تتحوّل إلى مسيّرة انتحارية وتفجّر نفسها بالجرّافة، خصوصاً في فترة الليل". ولتفادي ذلك "تُبعد الجرّافة عن موقع التنقيب بعد آخر النهار وإعادتها في اليوم التالي، حتى انتهاء العمل، وهذا ما يرتّب أكلافاً إضافية لصاحب الجرّافة، وتالياً حرماننا من مردود مالي".
لا تقف المغامرة عند هذا الحدّ. فمردود الحديد المستخرج من بين الركام "قد لا يسدّ كلفة تنقيبه التي تتوزّع بين أجرة الجرّافة والشاحنة التي تنقل الركام إلى أماكن بعيدة تحدّدها البلديات. وعلى سبيل المثال "يومية الجرّافة نحو 300 دولار، وكلفة نقل الردم نحو 30 دولاراً للحمولة الواحدة في الشاحنة، وإذا كان المنزل المنقَّب فيه، لا يحتوي على حديد كافٍ، فقد تقع الخسارة، أو نحصِّل أكلافنا فقط". ويشبّه حسين العمل على اختيار المنازل المراد التنقيب بها بـِ "البطيخة التي قد تكون حمراء أو بيضاء، ولا يمكن معرفة لونها إلاّ بعد فتحها".
حسرة الزراعة والمواشي
يُشرِف ركام منزل الأهل على مستعمرة "يفتاح" الإسرائيلية وأمامه تمتدّ الأراضي الزراعية التي تلتقي مع عقارات بلدية عيترون "وكلّها أراضٍ كان من المفترض تحضيرها في هذا الوقت من العام للزراعة، وخصوصاً زراعة التبغ".
وبالحديث عن الزراعة، يكشف حسين أنّه مزارع، ويشير إلى أنّ العائلة كانت تملك "مزرعتين للدجاج وبعض الأبقار والأغنام، فضلاً عن الخيم الزراعية وزراعة التبغ. وفي مزرعتيّ الدجاج كان هناك نحو 20 ألف طائر، كنّا في مرحلة ما سمّيَ بحرب الإسناد، نستطيع الوصول إلى الطيور بعد التنسيق مع الجيش واليونيفل، لكن بعد تصعيد القصف الإسرائيلي لم تعد قوات اليونيفيل تلبّي طلبات مرافقتنا، ومع الوقت انقطعت سبل الوصول".
ومع عدم الوصول إلى المزرعتين، كان المصير البديهي للطيور هو الموت "وفي إحدى المرّات، أعطى العدوّ هدنة لسبعة أيام، قصدنا خلالها المزرعة فرأينا الريش الأبيض في كل مكان، ولم يكن هناك سوى نحو 600 طائر على قيد الحياة. ومع استمرار الحرب، ذهب كل شيء".
الحنين إلى الزراعة تحوّل لدى حسين إلى تحدٍّ عنوانه العودة إلى الزراعة بما تيسّر، خصوصاً وأنّ "الشتاء قادم والعمل في إزالة الركام ليس عملاً مستداماً. ولذلك، أفكّر في مشروع الخيم الزراعية". والتنقّل من مشروع لآخر يعني بالنسبة لحسين إيجاد أرضية صلبة للبقاء في بليدا "بالرغم من أنّ خيار الانتقال من الجنوب متاح، لكن نحن لم نعتد العمل لدى أحد، بل كنّا أصحاب عمل وسنبقى كذلك لنأكل ممّا تنتجه أيادينا".
بين تمضية الوقت والمغامرة والهروب اليومي من احتمال التعرّض للقصف، يصبح البقاء في القرى الحدودية بالنسبة للبعض، خياراً "لا يقاس بما يُنتج، لأنّ المطلوب هو البقاء في أرضنا بالرغم من الفارق المادي الكبير بين ما كنّا ننتجه قبل الحرب وما ننتجه اليوم. فالعدوّ يريد إخراجنا لتبقى المنطقة معزولة".