رسائل إيران "الملتبسة".. حزب الله يرفض ضمانات بري ويحتفظ بـ"مفتاح الحرب"

كشفت مصادر سياسية لبنانية قريبة من كتلة "التنمية والتحرير"، التي يرأسها رئيس مجلس النواب نبيه بري، لـ"إرم نيوز"، أن حزب الله رفض تقديم أي ضمانات مسبقة بعدم المشاركة في حرب محتملة بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، رغم مساعي بري لثنيه عن التدخل، وسط رسائل إيرانية ملتبسة تؤكد قدرة طهران على مواجهة أي هجوم بمفردها، دون أن تتضمن طلباً صريحاً من الحزب بالبقاء خارج المواجهة.

ونقلت المصادر عن قيادات في الحزب تأكيدها أنها "لم تعطِ ولن تعطي ضمانات لأحد" بشأن عدم الدخول في الحرب، موضحة أن القرار سيبقى مرتبطاً بالتطورات العسكرية والسياسية وما قد تقدم عليه إسرائيل، في موقف يناقض تقارير إعلامية تحدثت عن حصول بري على تعهد جديد من الحزب بعدم إسناد إيران عسكرياً.

وقالت المصادر إن الحزب لا يتعامل مع احتمال الحرب باعتباره قراراً محسوماً بالمشاركة أو الامتناع، وإنما يصر على الاحتفاظ بجميع خياراته، ويرفض تقييد نفسه بالتزامات مسبقة قد تتعارض مع تطورات الميدان. 

بري يحاول انتزاع ضمانات

وبحسب المصادر، يسعى بري إلى ثني حزب الله عن أي مشاركة في المواجهة المحتملة، انطلاقاً من مخاوفه من أن يؤدي فتح الجبهة اللبنانية إلى حرب إسرائيلية واسعة، في وقت لا تزال فيه البلاد تعاني تداعيات المواجهات السابقة وأزمات النزوح وإعادة الإعمار.

لكن قيادة الحزب تتمسك بأن قراراتها العسكرية تخصها وحدها، وأن أي موقف نهائي لا يمكن اتخاذه بمعزل عن طبيعة الهجوم المحتمل على إيران، ومدى اتساع المواجهة، والتصرفات الإسرائيلية تجاه لبنان.

وشددت المصادر على أن رفض تقديم الضمانات لا يعني رغبة الحزب في إشعال حرب جديدة، مشيرة إلى أنه يؤكد في اتصالاته السياسية حرصه على السلم الأهلي وعدم تعريض الاستقرار الداخلي للاهتزاز.

ويكشف هذا الموقف حدود قدرة بري على التأثير في الخيارات العسكرية لحليفه، رغم الدور الذي يؤديه في إدارة الاتصالات مع الرئاسة والحكومة والأطراف الخارجية.

رسالة إيرانية بلا طلب واضح

وفي ما يتعلق بالموقف الإيراني، كشفت المصادر أن نائب وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زادة أبلغ شخصيات من الثنائي الشيعي، خلال اتصالاته الأخيرة في بيروت، أن طهران قوية وقادرة على مواجهة التهديدات والاعتداءات دون الحاجة إلى مساعدة عسكرية خارجية.

لكنها نفت أن يكون المسؤول الإيراني قد طلب من حزب الله عدم التدخل، أو أبلغ محاوريه بوجود قرار إيراني يقضي بإبقاء الجبهة اللبنانية خارج أي مواجهة مقبلة.

وتكتسب هذه التفاصيل أهمية في ضوء روايات إعلامية تحدثت عن تطمينات إيرانية للبنان، مفادها أن طهران لا تريد إقحام الحزب في حرب جديدة بسبب اختلال ميزان القوى مع إسرائيل.

وتقول المصادر إن ما سمعته الشخصيات اللبنانية اقتصر على تأكيد قدرة إيران على الدفاع عن نفسها، دون الخوض في الخيارات العسكرية التي قد يعتمدها حزب الله.

أزمة ثقة لم تنتهِ

وتأتي الاتصالات الحالية في ظل أزمة ثقة سابقة بين بري والحزب، تعود إلى مارس الماضي، عندما أطلق حزب الله صواريخ باتجاه إسرائيل عقب اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، رغم روايات تحدثت عن تعهد سابق من أمينه العام نعيم قاسم بعدم التدخل.

ووفقاً لتلك الروايات، جاء إطلاق الصواريخ دون تنسيق مسبق مع بري؛ ما وضع رئيس البرلمان أمام تداعيات قرار عسكري لم يكن يتوقعه، وأثار تساؤلات بشأن قدرة القيادة السياسية للحزب على الالتزام بتطميناتها.

غير أن المصادر القريبة من كتلة التنمية والتحرير تصر على أن الموقف الحالي لا يتضمن أي تعهد جديد، وتنقل عن مسؤولين في الحزب رفضه اعتبار رغبة الحزب في تجنب التصعيد ضمانة ملزمة بعدم المشاركة.

ويزيد من حساسية الملف أن أي مواجهة جديدة قد تفتح الباب أمام موجة نزوح واسعة، في ظل استمرار الأعباء الاقتصادية والاجتماعية التي خلفتها الحروب السابقة.

المتفجرات تزيد التباعد

ولا تقتصر ملاحظات بري على ملف الحرب المحتملة؛ إذ كشفت المصادر أنه أبدى عتبه على حزب الله بسبب إعلانه العلني ملكية شحنة المتفجرات التي ضبطتها السلطات اللبنانية في ضهر البيدر.

وأوضحت أن رئيس البرلمان كان يفضل عدم تبني الشحنة إعلامياً، وترك معالجة القضية للمسارات القضائية والسياسية بعيداً عن التصعيد العلني الذي وضع الحكومة والأجهزة الأمنية أمام اختبار إضافي.

وتعكس هذه الملاحظات تبايناً في إدارة الملفات الحساسة بين طرفي الثنائي الشيعي، من دون أن تعني بالضرورة انتقال الخلاف إلى مواجهة سياسية مفتوحة.

ويبقى السؤال الذي لم تحسمه الاتصالات الأخيرة هو ما إذا كان حزب الله سيترجم حرصه المعلن على الاستقرار إلى امتناع فعلي عن التدخل، أم أن تطورات المواجهة المحتملة ستدفعه إلى اتخاذ قرار مختلف. 

من يملك قرار الحرب؟

وفي سياق تفسير حدود القرار العسكري للحزب، يقول الكاتب والمحلل السياسي اللبناني علي حمادة، إن قرار الحرب والسلم ليس بيد حزب الله، بل بيد إيران.

ويضيف حمادة لـ "إرم نيوز" بأن رفض تقديم ضمانات لبري يثير إشكالية تتجاوز الخلاف بين حليفين سياسيين، وتتعلق بالجهة التي تمتلك القرار النهائي بشأن فتح الجبهة اللبنانية؛ فإذا كانت القيادة العسكرية للحزب مرتبطة بحسابات المواجهة الإقليمية، فإن التطمينات السياسية لا تكفي وحدها لاستبعاد المشاركة في الحرب، خصوصاً إذا اختلفت تقديرات الحرس الثوري عن الرسائل التي تنقلها قنوات طهران الدبلوماسية.

ويشير حمادة إلى تجربة مارس الماضي بوصفها اختباراً لمدى قدرة الاتصالات السياسية على ضبط القرارات الميدانية، ويؤكد أن الاختبار الحقيقي لن يكون في ما يقوله الحزب لحلفائه اللبنانيين، بل في قدرته على رفض الانخراط في حرب قد تفرضها حسابات طهران، ولو تعارضت مع مصالح لبنان.