المصدر: أساس ميديا
الكاتب: نديم قطيش
الاثنين 20 نيسان 2026 08:21:27
في قاموس الحرب مفردتان صادقتان فقط: انتصار أو هزيمة. ما عداهما إدارة للنتائج والعواقب وتلاعب بالمصطلحات.
وقف إطلاق النار، بالصيغة الانتصاريّة التي تسوّقها ميليشيا “الحزب”، لا ينتمي لأيٍّ من هاتين الكلمتين الصادقتين. هو كلمة ثالثة اختُرعت لغرض، أن تتجنّب الميليشيا مذلّة الاستسلام، فيما يتحمّل اللبنانيّون وبيئة “الحزب” تحديداً كلفة ذلك الاستسلام بالكامل.
وقف إطلاق نار يحتفظ فيه طرف واحد، نصّاً، بحرّيّة العمل العسكريّ شبه الكاملة، فيما يُختزل الطرف الآخر إلى طرف يُتوقّع منه الامتثال والصمت ما هو إلّا هزيمة بالتقسيط “المريع”.
ثلاث هزائم
الحقّ أنّ “الحزب” هُزم ثلاث مرّات، وليس مرّة واحدة.
هُزم أوّلاً عام 2024، هزيمة عسكريّة شبه كاملة كانت نتيجتها تحطيم بنيته العسكريّة، وهزيمة رمزيّة كارثيّة تمثّلت في اغتيال الأمين العامّ التاريخيّ لـ”الحزب”. ترافق ذلك مع انهيار محور إيران الأشمل من غزّة إلى صنعاء، ثمّ الانكشاف المباشر العسكري لإيران ذاتها. لم يخسر “الحزب” أسلحة وقادة فحسب. خسر المنطق الاستراتيجيّ الذي برّر وجوده أصلاً. مات ادّعاء التنظيم أنّه درع لبنان ودرع إيران حين سقط مسرح العمليّات بأكمله.
هُزم ثانياً في أشهر الهدنة الأولى، التي كانت توثيقاً رسميّاً لهزيمته. حافظت إسرائيل على تمركزها داخل الجنوب، واستمرّت الاغتيالات والاستهدافات اليوميّة فيما كان “الحزب” يتذرّع بالصبر الاستراتيجيّ والوقوف خلف الدولة، لا أمامها. لم يستطِع إنفاذ بند واحد من بنود الاتّفاق الذي أُرغم على قبول شروطه، ليتّضح أنّ وقف إطلاق النار لم يوقف الحرب، بقدر ما أوقف فقط قدرة “الحزب” على الردّ عليها.
أمّا الهزيمة الثالثة فهي الهزيمة الراهنة، التي تُقاس بالكيلومترات التي تسيطر عليها إسرائيل، وبالمأساة التي حلّت ببيئة “الحزب” وأهله، وبالنزوح الذي قد لا تعقبه العودة هذه المرّة في أيّ وقت قريب.
مع ذلك يُقال للشيعة إنّهم منتصرون. هنا تحديداً تكمن قسوة وقف إطلاق النار كأداةٍ سياسيّة كاذبة مصمّمة لمنح “الحزب” مخرجاً من المساءلة عمّا جلبه على أهله وعلى البلد. فإعادة تعريف الهزيمة وتسميتها وقفاً لإطلاق النار، تشرعنان معاناة الناس وتعيدان تأطير فهم المحنة بقوّة الوهم. فالركام هو “الشاهد على الكرامة”. والتهجير هو الدليل على “عجز الإسرائيليّ عن الفوز بنتائج عسكريّة”.
هكذا يُقدّم وقف إطلاق النار “كإنجاز” طالب به الإسرائيليّ المنهك أو فرضه الإيرانيّ المقتدر. ويُطلب من المجتمع الشيعيّ، الذي تحمّل الجزء الأكبر من ثمن حروب إيران لا لبنان، أن يقبل الرواية مجدّداً.
الوقائع حسمت الإجابة
ليس السؤال إن كان “الحزب” قد هُزم. الوقائع حسمت الإجابة. السؤال متى يُنتزع من “الحزب”، لا سلاحه وحسب، بل استراتيجية تأميم الألم لتحويل الهزيمة إلى مقدّس لا يجوز السؤال عنه، والهروب من استحقاق الاعتراف بأنّ معادلة الردع والحماية قد سقطت، وأنّ ما تبقّى ليس إلا محاولة لإنقاذ الهيكل التنظيميّ لـ”الحزب” على حساب أشلاء الدولة والناس.
متى وكيف يتوقّف السطو على أوجاع الناس وحطام حياتهم، لتحويل الخسارات الفرديّة الكارثيّة إلى مُلكيّة ميليشياويّة في عهدة الأيديولوجية الخمينيّة تحت عنوان “فدا إجر السيّد”؟ متى وكيف نعيد للضحيّة سلاح السؤال وحقّها بطلب جردة حساب عن جدوى الخيارات التي أُلزمت بها؟ متى نتصارح كلبنانيّين أنّ تحويل الفشل الاستراتيجيّ إلى ملحمة صمود، ليس استراتيجية ذكيّة بل حفلة تكاذب؟!
كلا، ليس حجم الدمار دليلاً على عظمة المعركة، بل مصداق على فداحة الخطأ والخطيئة، وليست مآسي الناس رأس مال حزبيّاً وفئويّاً أو دروعاً تحمي الفاشلين والقتلة من السقوط.
وقف إطلاق النار الذي يستحقّه اللبنانيّون هو الذي يبدأ باعتراف “الحزب” بأنّنا هُزمنا، وينتهي بتسليم السلاح والقرار والسيادة إلى الدولة، إلى القانون، إلى المؤسّسات المسؤولة أمام اللبنانيّين لا أمام طهران. من السذاجة الاعتقاد أنّ “الحزب” سيتّخذ مثل هذا الموقف. وهذا بالضبط ما يجعل قول الحقيقة صراحة، ضرورةً لا خياراً، لا سيما من قبل رئيسَي الجمهوريّة والحكومة.
الحرب انتهت. “الحزب” خسر. ووقف إطلاق النار، بصيغته الراهنة، ليس سوى الآليّة التي تُخفى بها تلك الخسارة عن الناس الذين دفعوا ثمنها ببيوتهم وأبنائهم ومستقبلهم. كفى.