المصدر: eremnews
الأربعاء 9 أيلول 2026 14:20:33
كشف مصدر أمني لبناني لـ"إرم نيوز" أن حزب الله دفع خلال الفترة الماضية بعشرات القادة الجدد إلى مواقع عسكرية وأمنية مختلفة، لا تزال الأجهزة الأمنية تفتقر إلى ملفات استخباراتية مكتملة عن عدد كبير منهم، في محاولة لإخفاء الطبقة القيادية البديلة التي صعدت بعد مقتل معظم الوجوه البارزة في هيكله العسكري.
وقال المصدر إن الحزب يتعمّد عدم إبراز هؤلاء القادة، وحصر ارتباط كل منهم بعدد محدود من الوحدات والمقاتلين، ضمن عملية إعادة تنظيم واسعة فرضتها الخسائر والاختراقات التي أصابت بنيته القيادية خلال المواجهات مع إسرائيل.
وأوضح أن ما يجري لا يقتصر على تعيين بدلاء للقادة الذين قتلوا، بل يشمل تقليص دائرة المعلومات التي يحصل عليها المسؤولون الميدانيون، بحيث لا يمتلك كل منهم سوى ما يحتاج إليه لإدارة مجموعته أو وحدته، ولا يعرف بالضرورة تفاصيل عمل الوحدات الأخرى.
وبحسب المصدر، فإن هذا النموذج يعكس حجم المشكلة الأمنية التي واجهها الحزب بعدما أظهرت سلسلة الاغتيالات قدرة إسرائيل على الوصول إلى مستويات متقدمة من قياداته، وتحديد أماكن اجتماعات وتحركات مسؤولين أمضى بعضهم عقوداً داخل بنيته العسكرية.
الحرس يعيد تركيب الحزب
لكن إعادة بناء هذه القيادة لم تكن عملية لبنانية داخلية بالكامل.
إذ يكشف المصدر الأمني أن الحرس الثوري تولّى في مرحلة إعادة البناء إشرافاً مباشراً على الجناح العسكري، عبر إرساله مستشارين إيرانيين للمساعدة على إدارة الشؤون العسكرية.
ويتقاطع كلام المصدر مع ما كشفته وكالة "رويترز" في مارس/آذار الماضي، من أن الحرس الثوري الإيراني أرسل نحو 100 ضابط إلى لبنان بعد وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، للمشاركة في إعادة تأهيل حزب الله بعد الضربات التي أصابته.
وقدرت السلطات اللبنانية وجود ما بين 100 و150 إيرانياً في البلاد لديهم ارتباطات بالحكومة الإيرانية تتجاوز العمل الدبلوماسي المعتاد، بينها صلات بالحرس الثوري، قبل أن تطلب بيروت مغادرتهم في مارس/آذار. وغادر بالفعل أكثر من 150 إيرانياً بيروت على متن رحلة إلى روسيا، كان بينهم ضباط في الحرس، بحسب "رويترز".
ولم تقتصر مهمة الضباط الإيرانيين على تدريب المقاتلين والإشراف على إعادة التسلح، بل امتدت، بحسب مصادر الوكالة، إلى إعادة تشكيل بنية القيادة العسكرية التي كانت الاختراقات الإسرائيلية أحد أسباب انهيار أجزاء منها.
تفكيك الهرم القديم
شملت التغييرات التي أدخلها الإيرانيون التخلي عن جانب من الهيكل الهرمي الذي نما في عهد حسن نصرالله، والانتقال إلى وحدات أصغر لا تمتلك سوى معلومات محدودة عن بعضها بعضاً.
ويصف المصدر الأمني هذا النموذج بأنه أكثر تسطحاً، ويشبه إلى حد ما الخلايا الصغيرة التي عمل بها حزب الله خلال ثمانينيات القرن الماضي.
ويشير إلى أن العودة إلى الخلايا الصغيرة ليست دليلاً بحد ذاتها على استعادة القوة التي كان الحزب يمتلكها قبل اغتيال قادته، بقدر ما تكشف محاولة تقليص الخسائر المحتملة إذا تمكنت إسرائيل مجدداً من اختراق إحدى حلقات التنظيم. فكلما قلّت المعلومات التي يمتلكها القائد، انخفضت قيمة ما يمكن أن ينكشف معه عند استهدافه أو اختراق دائرته.
وتؤكد معطيات أخرى حجم القلق من استمرار فقدان القادة. ففي مارس/آذار كشفت "رويترز"، نقلاً عن مصدرين لبنانيين مطلعين، أن الحزب عيّن أربعة نواب لكل قائد لضمان استمرار عمل الوحدة إذا قُتل مسؤولها الأساسي. وبذلك باتت القيادة الجديدة مصممة، في جانب منها، على افتراض أن قائدها قد لا يبقى طويلاً في موقعه.
قادة لا يعرفهم أحد
وتضيف المعلومات الخاصة التي حصل عليها "إرم نيوز" بُعداً آخر، يتعلق بهوية الجيل الذي يشغل الفراغات. فبدلاً من الأسماء التي راكمت نفوذها وخبرتها لعقود، أصبح الحزب يعتمد بصورة أكبر على مسؤولين أصغر سناً وأقل شهرة، بعد الخسائر التي شملت فؤاد شكر وإبراهيم عقيل وعلي كركي ووسام الطويل وطالب عبدالله ومحمد ناصر وإبراهيم قبيسي وأحمد وهبي، وصولاً إلى نصرالله وهاشم صفي الدين.
ويقول المصدر: إن قادة في الثلاثينات والأربعينات باتوا يديرون جوانب من النشاط العسكري والأمني، وإنهم كانوا قد أُعدوا سابقاً لتولي مواقع قيادية.
من يقود الحزب الجديد؟
ويزداد السؤال أهمية مع الدور الإيراني المباشر في إعادة البناء. فالوجود المكثف لضباط الحرس في عملية إعادة تشكيل الجناح العسكري يفتح الباب أمام سؤال بشأن المسافة التي بقيت بين الدعم الإيراني وقيادة التفاصيل العسكرية داخل حزب الله.
في هذا السياق، يرى الخبير الإستراتيجي والعسكري محمد يوسف النور، أن التحوّل إلى قيادة أقل ظهوراً ووحدات أصغر لا ينبغي قراءته باعتباره تطوراً في قدرات الحزب بقدر ما هو محاولة للتكيف مع الضربات التي كشفت هشاشة بنيته الأمنية السابقة.
ويرى أن الحزب يستطيع ملء المواقع الشاغرة بأسماء جديدة، لكن تعويض جيل كامل من القادة الذين امتلكوا خبرات تراكمت على مدى عقود مسألة مختلفة، خصوصاً في ظل خسارة قنوات الإمداد والضغط العسكري والسياسي المتواصل عليه.
كما أن اتساع الدور الإيراني في إعادة بناء القيادة، بحسب النور، يضعف أكثر محاولة الفصل بين القرار العسكري للحزب والإستراتيجية الإقليمية لطهران، ويطرح تساؤلات لبنانية حول الجهة التي تمسك فعلياً بمفاصل التنظيم العسكري الجديد.
في المحصلة، لا تبدو ولادة "جيل جديد بلا أسماء" قصة نجاح تنظيمي بقدر ما تكشف حجم الضرر الذي أصاب البنية القديمة. وبينما يحاول حزب الله إخفاء أسماء الجيل الجديد عن خصومه، ليبقى السؤال الأكثر حساسية في لبنان مفتوحاً: من يقود هؤلاء فعلياً.. قيادة حزب الله في بيروت، أم الحرس الثوري الذي شارك في بناء الهيكل الجديد؟