المصدر: أخبار اليوم
الكاتب: داود رمال
الجمعة 4 أيلول 2026 12:17:18
مع انتقال العلاقة الأمنية والقضائية بين سوريا ولبنان إلى مرحلة أكثر جدية، يعود ملف مسؤولي النظام السوري السابق الموجودين داخل الأراضي اللبنانية إلى الواجهة، لكن هذه المرة من زاوية مختلفة تتجاوز مجرد تبادل المعلومات أو مراقبة التحركات، لتلامس مسألة التسليم والملاحقة القضائية وإعادة تنظيم الحدود الأمنية بين البلدين. ويكتسب هذا الملف أهمية مضاعفة في ظل إعلان السلطات اللبنانية إحباط مخطط أمني قالت إنه يستهدف الاستقرار في لبنان وسوريا، وتفكيك شبكة تنشط عبر البلدين وترتبط بجهات لبنانية وبقايا النظام السوري السابق، بما يعيد طرح السؤال حول طبيعة البيئة التي يتحرك فيها هؤلاء، وما إذا كان لبنان يتحول إلى نقطة ارتكاز لعناصر تسعى إلى التأثير في الوضع السوري من خارج الحدود.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن دمشق لم تبدأ تحركها في هذا الملف مع التطورات الأمنية الأخيرة، بل عملت خلال الأشهر الماضية على بناء مسار تدريجي يقوم على تقديم لوائح بأسماء مسؤولين عسكريين وأمنيين سابقين دخلوا لبنان، مع طلبات تتعلق برصدهم وتحديد أماكن وجودهم تمهيداً لمعالجة وضعهم عبر القنوات الرسمية. وتكشف هذه الخطوة أن المقاربة السورية لم تعد مقتصرة على المطالبة العامة بملاحقة عناصر النظام السابق، وإنما اتجهت نحو تحديد الأشخاص المطلوبين بصورة أكثر دقة، وتوثيق وجودهم داخل الأراضي اللبنانية، وربط ذلك بمسار قانوني يمكن أن يقود في مراحل لاحقة إلى التوقيف والتسليم.
في الربيع... لائحة أخرى محدّثة
وكانت الدفعة الأولى من هذه اللوائح قد سُلّمت إلى الجانب اللبناني خلال زيارة أمنية سورية إلى بيروت في مطلع عام 2026، وتضمنت أكثر من مئتي ضابط ومسؤول أمني وعسكري سابق، مع طلب متابعة تحركاتهم وتحديد أماكن وجودهم. ولم تكن أهمية هذه اللائحة في حجمها فحسب، بل في كونها مثّلت محاولة لإنشاء قاعدة بيانات أمنية مشتركة حول شخصيات تعتبرها دمشق جزءاً من بقايا المنظومة التي حكمت البلاد لعقود، ولا سيما أن وجود عدد كبير منها خارج سوريا يطرح تحدياً أمام السلطات الجديدة التي تسعى إلى تثبيت سيطرتها الأمنية والسياسية وإغلاق الملفات المرتبطة بالنظام السابق.
لكن اللائحة الأولى لم تكن نهائية، إذ تبعتها في الربيع لائحة أخرى محدّثة ضمت أكثر من مئة ضابط، بعد أن تمكنت السلطات السورية من تحديد أشخاص ثبت دخولهم إلى لبنان عبر معابر غير شرعية. وهذه النقطة تحديداً تضيف بعداً أمنياً مختلفاً إلى الملف، لأن الحديث لم يعد عن مسؤولين سابقين يقيمون في دولة مجاورة فحسب، وإنما عن أشخاص يُعتقد أن بعضهم دخل الأراضي اللبنانية خارج الأطر القانونية، الأمر الذي يجعل وجودهم مرتبطاً أيضاً بملف ضبط الحدود ومكافحة التسلل والشبكات العابرة للحدود.
وتكشف القائمتان، بصرف النظر عن الأسماء التي تضمانها، عن تصور سوري يقوم على ثلاث مراحل مترابطة؛ تحديد المطلوبين، رصد وجودهم وتحركاتهم، ثم الانتقال إلى المسار القضائي الذي يسمح بمعالجة أوضاعهم وفق القوانين والاتفاقيات النافذة. وهذا المسار يعكس إدراكاً لدى دمشق بأن استعادة الأشخاص المطلوبين لا يمكن أن تعتمد فقط على الاعتبارات السياسية أو الأمنية، بل تحتاج إلى غطاء قانوني يتيح للجانب اللبناني اتخاذ إجراءات قابلة للتنفيذ والتبرير أمام مؤسسات الدولة والقضاء والرأي العام.
إرث ثقيل من الانتهاكات
ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة لأن ملف المطلوبين السوريين في لبنان يرتبط بإرث ثقيل من الانتهاكات المنسوبة إلى مسؤولين في النظام السابق. وقد دفعت منظمات حقوقية باتجاه عدم التعامل مع القضية باعتبارها مجرد ملف أمني، مطالبة بإخضاع المتهمين بارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية للملاحقة والتحقيق والمساءلة. وفي المقابل، فإن إبقاء شخصيات أمنية وعسكرية متهمة بانتهاكات جسيمة خارج نطاق الملاحقة يخلق، وفق هذا المنظور، مشكلة مزدوجة؛ فهو يحول دون تحقيق العدالة للضحايا، كما يمكن أن يوفر لبعض المطلوبين مساحة لإعادة بناء شبكاتهم والاستفادة من الحدود اللبنانية السورية لتنظيم نشاطات تهدد الاستقرار.
ومن هنا، فإن الإعلان عن تفكيك شبكة أمنية تنشط بين لبنان وسوريا يمنح اللوائح السورية أهمية إضافية، حتى لو لم يكن جميع المدرجين فيها مرتبطين بالضرورة بالأنشطة التي يجري التحقيق فيها. فالتحول الأهم يتمثل في انتقال ملف هؤلاء من كونه قضية مرتبطة بالماضي إلى كونه جزءاً من نقاش أمني راهن يتعلق بقدرة السلطات في البلدين على منع استخدام أراضي أي منهما منصة لزعزعة استقرار الآخر. وإذا ثبت تورط بعض الأشخاص في أعمال منظمة تستهدف الأمن، فإن ذلك قد يدفع نحو تسريع الإجراءات بحقهم، ويمنح التعاون الأمني والقضائي بين بيروت ودمشق زخماً أكبر.
قيود قانونية معقدة
غير أن الطريق إلى التسليم لا يزال محكوماً بقيود قانونية معقدة. فالدولة اللبنانية لا تستطيع، من الناحية القانونية، التعامل مع طلبات التسليم على أساس سياسي أو أمني فقط، وإنما يتعين عليها النظر في طبيعة الجرائم المنسوبة إلى المطلوبين، والأدلة المتوافرة بحقهم، والضمانات القانونية التي تحيط بمحاكماتهم والعقوبات المحتملة. وتزداد حساسية الملف عندما يكون المطلوب معرضاً لخطر التعذيب أو الإعدام، وهي اعتبارات تفرضها المبادئ القانونية الدولية وتضع حدوداً أمام عمليات التسليم التلقائي، بصرف النظر عن طبيعة الاتهامات.
وفي هذا السياق، تبدو الاتفاقيات القضائية الموقعة بين البلدين عاملاً حاسماً في تحديد المسار الممكن لهذا الملف. فالتعاون القضائي بين بيروت ودمشق يستند إلى أطر قانونية قديمة، تعززت باتفاقيات أحدث تتصل بتنفيذ الأحكام ونقل المحكومين، ما يوفر أرضية يمكن البناء عليها لمعالجة ملفات المطلوبين بصورة أكثر انتظاماً. وتكمن أهمية هذه الأطر في أنها تحول عملية التسليم من قرار سياسي منفرد إلى إجراء له شروطه وآلياته، بحيث يصبح وجود مذكرة توقيف أو حكم قضائي وطبيعة الجريمة والعقوبة المتوقعة عناصر أساسية في تحديد إمكانية الاستجابة للطلب.
وتكتسب أولى عمليات التسليم التي جرت خلال الصيف أهمية رمزية وقانونية في هذا المسار، باعتبارها مؤشراً إلى أن الملف لم يعد نظرياً. فتنفيذ عملية تسليم لمسؤول عسكري سابق، استناداً إلى مذكرة توقيف وإلى الإطار القضائي الناظم للعلاقات بين البلدين، يمكن أن يشكل سابقة تفتح الباب أمام التعامل مع حالات أخرى، خصوصاً إذا استطاعت السلطات السورية تقديم ملفات قضائية تستوفي الشروط القانونية المطلوبة من الجانب اللبناني.
لكن تحويل هذه السابقة إلى سياسة مستمرة يظل أكثر تعقيداً. فعدد الأسماء الواردة في اللوائح كبير، والملفات ليست متساوية من حيث طبيعة الاتهامات أو مستوى الأدلة أو الوضع القانوني لكل شخص. وقد يكون بعض المطلوبين موضوع مذكرات توقيف، فيما قد يكون آخرون موضع متابعة أمنية أو تحقيقات لم تصل بعد إلى مرحلة تسمح بطلب التسليم. لذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في حجم اللوائح، وإنما في قدرة السلطات السورية على تحويل كل اسم فيها إلى ملف قضائي مكتمل العناصر يمكن للجهات اللبنانية المختصة التعامل معه وفق القانون.
المعابر غير الشرعية
كما أن القضية تتقاطع مع ملف المعابر غير الشرعية، الذي يمثل أحد أكثر جوانب العلاقة بين البلدين حساسية. فإثبات دخول عدد من المطلوبين عبر معابر غير شرعية يضع السلطات اللبنانية أمام مسؤولية تتجاوز مسألة تسليم الأفراد، لتشمل منع استخدام الحدود في نقل الأشخاص أو الأموال أو المعدات، وتعزيز الرقابة على المناطق الحدودية. ومن شأن التعاون في هذا المجال أن يحد من قدرة الشبكات المرتبطة ببقايا النظام السابق على التحرك بين البلدين، سواء بهدف إعادة تنظيم صفوفها أو التواصل مع مجموعات أخرى خارج سوريا.
وتبرز في هذا الإطار مسألة وجود جهات أمنية سورية تعمل من داخل البعثة الدبلوماسية في بيروت لرصد تحركات بقايا النظام السابق. وإذا كان هذا النشاط يتم ضمن القوانين والتفاهمات القائمة، فإنه يعكس انتقال دمشق إلى سياسة أكثر نشاطاً في متابعة خصومها خارج الحدود. غير أن هذه السياسة تضع في الوقت نفسه التعاون بين البلدين أمام اختبار دقيق، إذ ينبغي أن يبقى جمع المعلومات والملاحقة ضمن القنوات الرسمية، وألا يتحول إلى نشاط منفصل عن المؤسسات اللبنانية أو إلى تجاوز للصلاحيات السيادية للدولة المضيفة.
نموذج جديد للعلاقة
كما أن التعامل مع هذا الملف سيحمل تداعيات تتجاوز الأشخاص المطلوبين أنفسهم. فنجاح بيروت ودمشق في إدارة القضية ضمن المؤسسات والقانون قد يرسخ نموذجاً جديداً للعلاقة بين البلدين يقوم على التعاون الأمني والقضائي بدلاً من الحسابات السياسية التي طبعت مراحل سابقة. أما فشل هذا المسار، سواء بسبب التسييس أو ضعف الملفات القضائية أو غياب التنسيق، فقد يبقي لبنان مساحة يتحرك فيها عدد من بقايا المنظومة السابقة، ويجعل الحدود المشتركة عرضة لاستمرار النشاطات غير الشرعية.
وتبدو اللوائح التي سلمتها دمشق إلى بيروت جزء من محاولة أوسع لإعادة ترتيب العلاقة الأمنية بين البلدين بعد تغير المشهد السياسي في سوريا، ولانتقال ملف بقايا النظام السابق من مرحلة اللجوء والاختفاء إلى مرحلة الرصد والملاحقة وربما التسليم. وفي ظل تصاعد المخاوف من نشاط شبكات عابرة للحدود، فإن مستقبل هذه اللوائح قد يصبح أحد المؤشرات الرئيسية على طبيعة المرحلة الجديدة في العلاقات اللبنانية السورية، وعلى مدى قدرة الدولتين على تحويل التعاون الأمني من تفاهمات ظرفية إلى آلية مؤسساتية ثابتة تحمي أمن البلدين وتضع حداً لتحول الحدود المشتركة إلى مساحة لإعادة إنتاج الصراع.