السعودية بين خياري الحرب والسلام: الصين تطرح مبادرة شاملة

تتأرجح المنطقة والعالم بين انفجار الحرب مجدداً، والمساعي الدولية والإقليمية الهادفة إلى تجنبها. فالحرب إن انفجرت سيكون عنوانها الجديد هو باب المندب، ويمكن لها أن تتوسع لتعود إلى مضيق هرمز والبحر الأبيض المتوسط. إيران إحدى الوجهات الأساسية لهذه الحرب، وكذلك حلفاؤها في اليمن أو لبنان أو أي منطقة أخرى. في المتوسط تتصدر إسرائيل المشهد. في مضيق هرمز تتصدره الولايات المتحدة الأميركية، أما في باب المندب والبحر الأحمر فتتصدر المشهد المملكة العربية السعودية التي كانت قد تعرضت لاعتداءات طالت مكة، وللمفارقة أنه في ظل إصرار الحوثيين على استهداف السعودية، أصدروا طمأنة لإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية بعدم استهداف سفنهما. 

 

تحالفات

يأتي ذلك، بعد لقاءات واتصالات أجريت بين الحوثيين والولايات المتحدة الأميركية، علماً أن واشنطن لا تبدي رغبة حتى الآن في العودة إلى الحرب في هرمز أو للدخول في مواجهة ضد الحوثيين، بينما السعودية عملت منذ فترة على تعزيز تحالفات هدفها الحفاظ على حرية الملاحة في باب المندب، والبحر الأحمر وهذا الملف كان محور لقاء بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، كما كان مدار بحث بين السعوديين والأتراك والباكستانيين، علماً أن تركيا تعلن عن استعدادها لتقديم المساعدة التقنية والعسكرية حتى إن لم تنخرط بشكل مباشر في هذه المواجهة. 

 

إلى الهجوم

من الواضح أن إيران قد انتقلت من حالة الدفاع إلى الهجوم، وهذا ما يؤكده مسؤولون إيرانيون، يعتبرون أن طهران لم يعد أمامها مجال إلا الاتجاه نحو التصعيد المتدرج للرد على الحصار الأميركي ومواصلة الضربات. لا يستبعد الإيرانيون أن تصل الأمور بهم إلى درجة تصعيد متعدد الجبهات ليس في هرمز فقط بل في باب المندب أيضاً وربما في مناطق أخرى، ولدى سؤال أحد المسؤولين عن احتمال اللجوء إلى تفعيل منطق وحدة الجبهات يجيب:" الأمر مرتبط بمسار الأمور وتطوراتها". هذا ما يعني أنَّ ذلكَ يبقى احتمالاً قائماً في حال استشعرت إيران المزيد من الضغط والحصار والضربات وفي حال واصلت إسرائيل حربها ضد حزب الله واشتعلت حرب اليمن مجدداً. 

 

مبادرة صينية

في موازاة التصعيد الإيراني، لا تزال طهران تسعى للوصول إلى اتفاق مع الولايات المتحدة الأميركية، فهي تراهن على عدم رغبة وقدرة ترامب للعودة إلى الحرب. ويعتبر الإيرانيون أنه حتى لو عاد ترامب لاستئناف الحرب فلن يتمكن من تحقيق النتائج التي يريدها، وهو ما يعني أنه سيصاب بالخيبة للمرة الثالثة، وهذا سينعكس عليه خسارة كبيرة ومدوية في الانتخابات النصفية. لذلكَ لا تزال طهران تعتبر أنها تمتلك ورقة قوة أساسية هي مضيق هرمز وباب المندب. وهي تراهن على مبادرة صينية جرت مناقشتها خلال زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى الصين. وفق المعلومات تقوم المبادرة الصينية التي يفترض أن يناقشها الصينيون مع الأميركيين ومع دول الخليج، على وقف كامل للعمليات العسكرية وإطلاق النار، فك الحصار عن إيران، فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، وقف عملية المنبوذ الاقتصادي وتعليق بعض العقوبات، الدخول في مفاوضات مباشرة للوصول إلى اتفاق سياسي وتجديد التفاوض حول الملف النووي، وعقد مفاوضات إيرانية خليجية برعاية صينية، ذلكَ لعرض كل الإشكالات والخلافات التي تعتري العلاقة بين دول الخليج من جهة وإيران من جهة أخرى، والوصول إلى اتفاق على الوضع الأمني والعسكري وفتح مضيق هرمز. 

 

تريد الصين تجديد المسار الذي عملت عليه بين إيران والسعودية، ولكن هذه المرة بين إيران وكل دول الخليج، ومع الولايات المتحدة أيضاً، وهذا ما سيناقشه الرئيس الصيني خلال زيارته إلى الولايات المتحدة الأميركية في الأيام المقبلة. وبحال نجحت الصين في تأمين مساري التفاوض والوصول إلى تفاهمات فعندها يمكن توسيع ذلك ليصبح اتفاقاً دولياً شاملاً. 

 

حرب محتملة

في مقابل طرح الصين، لا تزال هناك أجواء أخرى تستبعد إمكانية الوصول إلى أي اتفاق، وترجح اندلاع الحرب مجدداً خصوصاً في ظل التصعيد القائم في المنطقة ولا سيما في اليمن، وهو ما لا ينفصل عن الاجتماع الذي عقد بين رئيس الأركان الإسرائيلي ورؤساء أركان جيوش عدد من الدول العربية والخليجية، في سياق البحث بكيفية التعامل مع تصعيد الحوثيين. يأتي هذا الاجتماع بالتزامن مع قنوات التواصل المفتوحة بين الولايات المتحدة من جهة وإيران والحوثيين من جهة ثانية. إذ تبدو الولايات المتحدة كأنها توازن بين مواقف واتجاهات متعددة، وهي ستعمل على استغلال ما يجري للضغط على كل القوى الإقليمية والدولية لدفعها إلى التحالف والتفاهم مع إسرائيل، علماً أنَّ تل أبيب تعرض تقديم مساعدات أمنية واستخبارية وعسكرية في اليمن ولكن ذلكَ سيكون له مقابل سياسي كبير. 

 

حوار إيراني خليجي

أمام هذا المشهد، من الواضح أن إيران تسعى إلى التفاوض مع الأميركيين، بينما تصرّ على التصعيد ضد دول الخليج واستهداف ممرات ومنابع الطاقة. وهذا أمر يمكنه أن يُبقي حالة اللاحرب واللاسلم مستمرة مع كل ما تحمله من أضرار. أو أنه سيؤدي إلى حرب جديدة على مستوى المنطقة ككل تتغير فيها الكثير من الوقائع والتحالفات، خصوصاً أنه لا يمكن لدول الخليج والسعودية السكوت على ما يتعرضون له، واتخاذ خيار التصعيد وهذا ما قد يسهم بتفعيل نتائج اجتماع رؤساء الأركان العرب مع رئيس الأركان الإسرائيلي، أم أنه سيسهم في الوصول إلى اتفاقات وتسويات. مع الإشارة إلى أنَّ هناك جهات كثيرة إلى جانب الصين تسعى في سبيل عقد حوار إيراني خليجي موسع ومفصل تُطرح فيه كل الهواجس والإشكاليات. 

 

حزب الله والصبر

لبنان يتأثر حتماً بكل ما يجري. فإن اندلعت الحرب سيكون إحدى ساحاتها، وإن تم الوصول إلى اتفاق فسيتأثر به وينعكس على كل توازناته. لا تزال الأمور بحاجة إلى المزيد من الوقت، هنا تراهن إسرائيل على الحرب وفرض الوقائع التي تريدها إما عسكرياً أو من خلال المفاوضات، بينما حزب الله يراهن على الصبر والانتظار. على الساحة اللبنانية، هناك من يعتبر أنَّ إيران التي تراجعت في المشرق العربي أمام إسرائيل، لا تجد طريقاً للتعويض إلا في الخليج العربي من خلال التصعيد وتكثيف العمليات لعلّها تثبت نفوذها وتحقق مكاسب. وهذا ما يدفع الكثيرين في لبنان الى اعتبار أنَّ إيران غضت النظر عن الكثير من التطورات في لبنان، مقابل تحقيق التقدم في اليمن. هذا الأمر ينفيه الإيرانيون كما ينفيه حزب الله، وهو الذي يرفض اتفاق الإطار ومسار التفاوض مع إسرائيل، وينتظر متغيرات في الخارج تنعكس على الداخل لتعديل موازين القوى، أما بحال استمرار الاستعصاء فإنَّ الحرب عندها ستكون حتمية مجدداً.