باسيل و"ضمانات نصرالله"... يوم كان الحزب يدير مفاتيح السلطة

كتب المحرر السياسي:

في مقال جبران باسيل عن حسن نصرالله اليوم في جريدة، كان هناك عبارة تختصر أكثر مما أراد صاحبها أن يقول: في آخر جلسة بينهما، حين كان نصرالله يحاول إقناعه بانتخاب سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية، كان مستعداً لأن يعطيه "كل الضمانات".

هذه ليست عبارة عابرة في رواية شخصية، بل شهادة سياسية على طبيعة السلطة في تلك المرحلة. فالضمانات في انتخابات رئاسة الجمهورية ليست وعوداً شخصية أو مجاملات سياسية؛ إنها تتصل مباشرة بموازين السلطة، وبالحكومات والحصص والمواقع والمكاسب التي يستطيع صاحب القرار أن يضمنها أو يؤثر في تأمينها.

وبمعنى أوضح: "من كان يعطي الضمانات يملك القدرة على تنفيذها، ومن كان يملك القدرة على تنفيذها كان يمسك قرار الدولة."

وهذا تحديداً ما تكشفه شهادة باسيل. حسن نصرالله لم يكن يتحدث يومها كرئيس حزب يطلب من حليف تأييد مرشح. كان يتحدث من موقع صاحب القرار القادر على التفاوض على رئاسة الجمهورية، وعلى تقديم ضمانات سياسية لشريك يريد مقابلاً لموقفه.

وهذا هو الواقع السياسي الذي لا يمكن القفز فوقه: "نصرالله كان يمسك بمفاتيح أساسية من قرار الدولة اللبنانية". لم يكن نفوذ حزب الله محصوراً بالسلاح أو بالجنوب أو بالمواجهة مع إسرائيل، بل امتد إلى قلب النظام السياسي، إلى انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومات وترتيب التوازنات والمكاسب بين القوى السياسية.

والأكثر دلالة أن هذه الضمانات لم تكن صادرة عن الدولة، ولم تكن مؤسسات الدولة هي التي تملك تقديمها. كانت تأتي من نصرالله شخصياً. أي أن الطرف الذي كان يحتفظ بالسلاح خارج الدولة كان، في الوقت نفسه، يملك قدرة استثنائية على إدارة التوازنات داخل الدولة.

وهنا تظهر المفارقة السياسية الكبرى في خطاب تلك المرحلة.

كان حزب الله يقول إن الدولة عاجزة عن حماية الجنوب، وإن مؤسساتها لا تستطيع القيام بالدور المطلوب، وإن هذا العجز هو أحد أسباب استمرار سلاحه. لكن الحزب نفسه كان يدير السياسة بتفاصيلها  إلى حد التفاوض على رئاسة الجمهورية وتقديم الضمانات لشركائه حول شكل السلطة ومكاسبها.


وهذه ليست مبالغة في توصيف مرحلة مضت، بل خلاصة تفرضها الوقائع التي يرويها أحد أبرز المشاركين فيها. فحين يصبح انتخاب رئيس الجمهورية موضوع تفاوض مع حزب خارج مؤسسات الدولة، وحين تصبح الضمانات والمكاسب السياسية بيد أمين عام الحزب، تكون المسألة قد تجاوزت النفوذ السياسي العادي إلى ممارسة فعلية للسلطة.

لذلك، فإن عبارة "كل الضمانات" في مقال باسيل تكتسب معنى أكبر بكثير من سياقها الشخصي. إنها تختصر مرحلة كان فيها حسن نصرالله "يمسك بقرار سياسي أساسي في الدولة اللبنانية، فيما كانت الدولة نفسها تُقدَّم بوصفها عاجزة عن القيام بدورها في الجنوب."

وهذه ربما كانت المفارقة الأكبر في تلك المرحلة: "الدولة التي قيل إنها لم تكن قادرة على حماية الجنوب، كانت في بيروت تُدار توازناتها السياسية على وقع قرار من كان يمسك بالجنوب."