أعاد رفض حزب الله «للاتفاق الإطاري» الذي أُنجز في أعقاب جولة المفاوضات الأخيرة إلى الواجهة سؤالاً لم يعد بالإمكان تأجيله: إذا كان الحزب يرفض خيار التفاوض المباشر والانسحابات المرحلية التي تتيح للجيش اللبناني الانتشار في المناطق التي يخليها الإحتلال الإسرائيلي، فما هو البديل الواقعي الذي يقدمه للدولة ولأهالي الجنوب؟
المواقف الرافضة، مهما كانت دوافعها السياسية أو العقائدية، لا تكتمل من دون تقديم رؤية عملية قابلة للتنفيذ. وهذا الأمر يكتسب أهمية استثنائية بعدما دفع الجنوبيون أثماناً باهظة من أرواحهم ومنازلهم ومصادر رزقهم، وأصبح همّهم الأول العودة إلى قراهم، واستئناف حياتهم الطبيعية، وإطلاق ورشة إعادة إعمار ما دمرته الحرب، بعيداً عن أي رهانات إقليمية، أو حسابات تتجاوز المصلحة الوطنية اللبنانية.
قد يكون من حق حزب الله أن يعترض على أي اتفاق هو مستبعد عنه، بحجة أنه لا يحفظ السيادة اللبنانية كاملة، أو الإدعاء أنه يمنح إسرائيل مكاسب سياسية أو أمنية. لكن من حق اللبنانيين أيضاً أن يعرفوا، ما هي الخطة البديلة لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي، واستعادة المناطق الجنوبية. هل يدعو الحزب إلى استئناف المواجهة العسكرية؟ وهل يملك لبنان، في ظروفه الاقتصادية والمالية الراهنة، القدرة على تحمُّل حرب جديدة؟ وهل يستطيع أبناء الجنوب، الذين لا يزال كثير منهم يعيشون مرارة النزوح وفقدان المساكن والأرزاق، أن ينتظروا سنوات إضافية ريثما تتبدل موازين القوى في المنطقة؟
إن النقاش المسؤول لا ينبغي أن يتمحور حول تأييد التفاوض أو رفضه من حيث المبدأ، بل حول مدى قدرته على تحقيق الهدف الوطني المتمثل في إنهاء الاحتلال واستعادة الاستقرار. فإذا نجحت المفاوضات، مهما كانت صعوبتها، في تأمين انسحابات إسرائيلية متدرِّجة، تسمح للجيش اللبناني بالانتشار، وبسط سلطة الدولة، فإنها تكون قد حققت إنجازاً عملياً لا يجوز التقليل من أهميته، خصوصاً إذا كان هذا المسار يجنِّب لبنان حرباً جديدة لا يملك أحد ضمان نتائجها، ولكن تداعياتها المدمرة على ما تبقَّى من مقومات المجتمع والدولة معروفة، ولا تحتاج إلى كثير من الشرح والتفصيل.
صحيح أن نجاح هذه المقاربة يفرض على الدولة اللبنانية مسؤوليات كبيرة. فالجيش اللبناني بوضعه الراهن، لا يستطيع أن يتحمل وحده أعباء الانتشار، وحفظ الأمن في منطقة واسعة ومتضررة، ما لم يحظَ بالدعم السياسي الداخلي، وبالإمكانات العسكرية واللوجستية والمالية التي تمكِّنه من أداء مهمته بكفاءة واستمرارية، فضلاً عن أهمية وجود قوات دولية في المنطقة الحدودية تراقب وتتابع أي محاولات إسرائيلية لتجاوز إتفاق وقف العمليات العدائية.
من هنا تبرز أهمية التحرك العربي والدولي لمواكبة هذه المرحلة. فالدول العربية، التي أعلنت مراراً دعمها لاستقرار لبنان، مدعوة إلى ترجمة هذا الدعم عبر المساهمة الفعلية في إعادة إعمار القرى الجنوبية، وإعادة الحياة الاقتصادية إليها. كما أن الولايات المتحدة والدول الأوروبية، التي تؤكد باستمرار دعمها لمؤسسات الدولة اللبنانية، مطالبة بالإسراع في عقد مؤتمري دعم الجيش وإعادة الإعمار، وعدم الاكتفاء بإعلانات سياسية أو وعود مؤجلة. فالاستقرار يحتاج إلى قرارات عملية، وإلى تمويل سريع، وإلى مشاريع تنموية، تعيد الثقة إلى المواطنين، بأن الدولة قادرة على حمايتهم وتأمين مقومات صمودهم.
إن تحويل هذه الالتزامات إلى خطوات تنفيذية ملموسة لن يقتصر أثره على دعم الجيش وإعادة بناء الجنوب، بل سيحمل رسالة سياسية واضحة، مفادها أن المجتمعين العربي والدولي يراهنان على الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، باعتبارها الإطار الوحيد القادر على حماية السيادة وإدارة الأمن وإعادة الإعمار.
وبالتالي فإن أي موقف يكتفي بالرفض المطلق للتفاوض من دون تقديم بديل عملي وقابل للتطبيق، سيجد نفسه أمام أسئلة مشروعة يطرحها أهل الجنوب قبل غيرهم: كيف يمكن تحرير ما تبقّى من الأراضي المحتلة؟ وكيف يعود المهجرون إلى بيوتهم؟ ومن أين تأتي الأموال اللازمة لإعادة الإعمار؟ وكيف يمكن حماية الجنوب من جولات جديدة من الدمار؟
من نافلة القول التكرار بأن اللبنانيين تعبوا من الصراعات المفتوحة والشعارات التي لا تُفضي إلى حلول. وهم اليوم يبحثون عن نتائج لا عن مواقف، وعن دولة قادرة لا عن انقسامات إضافية. لذلك، فإن معيار نجاح أي خيار سياسي لم يعد يقاس بارتفاع سقف الخطاب، بل بقدرته على إعادة الناس إلى أرضهم، وإعمار قراهم، وتثبيت سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، باعتبارها الضمانة الوحيدة لاستقرار دائم وسيادة مكتملة.
المستقبل لا يُبنى برفض الخيارات المطروحة فحسب، وإنما بامتلاك بدائل أكثر واقعية وفاعلية، وهو التحدي الذي يواجه حزب الله، وجميع الأطراف الداخلية والخارجية، التي تهدِّد بتقويض مفاوضات الإنسحاب، وعودة الجنوب إلى أهله، وعودة الدولة إلى هذه المنطقة العزيزة من الوطن.