المصدر: المدن
الكاتب: فرح نصور
الخميس 2 تموز 2026 01:28:56
تكتسب الزيارة الرسمية المرتبة لوزير الخارجية السوري في الإدارة الجديدة أسعد الشيباني لبيروت يوم الخميس، أبعادًا تتجاوز التنسيق الدبلوماسي التقليدي بين دولتين جارتين.
إنها عمليًا المحاولة الأكثر جدية منذ عقود لإعادة بناء العلاقات اللبنانية - السورية على أسس جديدة كليًا، تقطع مع إرث عقود من "الوصاية الأمنية" والتبعية السياسية التي فرضها نظام الأسد البائد.
تأتي هذه الزيارة، وهي الثانية للشيباني منذ سقوط النظام السابق في دمشق، في لحظة إقليمية شديدة التعقيد. إذ يسعى البلدان إلى تلمس مساراتهما المستقلة وسط تحولات دراماتيكية أعقبت توقيع "اتفاق الإطار" الأخير بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، وفي وقت تخوض فيه حكومة الرئيس أحمد الشرع في دمشق ورشة إعادة تموضع دولي وعربي لرفع العقوبات وبدء الإعمار.
محددات العلاقة الجديدة: عقل الدولة في مواجهة ذاكرة الصراع
يتطلّب رسم معالم العلاقات السياسية بين لبنان وسوريا في المرحلة المقبلة أولًا الإقرار بحتمية التشابك التاريخي، الجغرافي، الاقتصادي، والاجتماعي، وهو ما يفرض الانتقال من منطق "الساحة الملحقة" إلى منطق "الدولة الند للند". وفي هذا السياق، تبرز ثلاثة أطر أساسية لتحديد شكل هذه العلاقة:
- الندية السيادية المتبادلة: الاعتراف الكامل بخصوصية النظام السياسي في كل من البلدين، والتوقف عن استخدام أي طرف كأوراق قوة إقليمية في التوازنات الدولية.
- الفصل المرن للمسارات التفاوضية: بينما تنجز بيروت تفاهماتها الحدودية والأمنية بناءً على مصالحها الوطنية، تدير دمشق مفاوضاتها المستقلة من دون أن يؤدي ذلك إلى "تلازم قسري" يعطل القرار السيادي لأي منهما.
- مأسسة العلاقات: تحويل التواصل من الصيغ الأمنية الاستخبارية الفوقية التي سادت في الماضي إلى قنوات دبلوماسية ومؤسساتية واضحة عبر الحكومات والوزارات المختصة.
كسر "اللغم" الأمني وترسيم الحدود
لكي لا تسقط العلاقات الجديدة في فخاخ الماضي الشائكة وتجاربه، ثمة ملفات بنيوية ينبغي تلافي مقاربتها بالطرق التقليدية، وعلى رأسها مسألة الحدود وضبطها وترسيمها:
1- تلافي الغموض الجغرافي (ترسيم الحدود): لعل أول ممر إلزامي لبناء علاقة ندية هو البدء الجدي في ترسيم الحدود البرية والبحرية المشتركة، ولا سيما في النقاط المتنازع عليها تاريخيًا أو التي ظلت مبهمة لتوظيفها في حسابات الصراع الإقليمي (مثل مزارع شبعا وغيرها). إن الترسيم الواضح هو شهادة الولادة الحقيقية للاعتراف السوري النهائي بـ "لبنان الدولة".
2- إنهاء حقبة المربعات الأمنية والاختراقات: ينبغي تلافي غضّ الطرف عن المعابر غير الشرعية وشبكات التهريب العابرة للحدود. ضبط هذه الحدود بالكامل ومكافحة التهريب ليسا مجرد تدبير أمني، بل هما مصلحة استراتيجية عليا ترتبط مباشرة بالعمق العربي والاقتصادي لكلا البلدين.
3- تلافي الاستقواء الداخلي: ينبغي على الإدارة السورية الجديدة تجنّب سياسة الاصطفاف الفئوي أو تغذية الانقسامات الطائفية اللبنانية عبر دعم طرف ضد آخر، والتعامل بدلًا من ذلك مع لبنان ككيان تعددي متوازن. وكذلك أن يحرص لبنان على ألا يكون منطلقًا لأي عملٍ ضدّ الدولة السورية، خصوصًا فلول الأسد، وكذلك طيّ صفحة تدخّل حزب الله في الحرب السورية.
4- تقاطع التوقيت: الأمن القومي اللبناني والعمق الاقتصادي السعودي: يأتي ملف ضبط الحدود والتكامل الاقتصادي على رأس جدول أعمال الشيباني، مدفوعًا بمتغيرات حاسمة ووثيقة الصلة بالجوار العربي. فالأمر يتجاوز حدود التفاهمات الثنائية الباردة ليرتبط مباشرة بقرار المملكة العربية السعودية رفع الحظر عن استيراد المنتجات اللبنانية، وانطلاق أولى الشحنات التجارية من مرفأ بيروت نحو ميناء جدة.
يمثل هذا القرار السعودي، الذي اشترط صراحة تطبيق معايير رقابية صارمة وتجهيز المعابر بأحدث أجهزة المسح الضوئي لمنع تهريب الكبتاغون والمخدرات، حاجة اقتصادية ملحة للبنان وسوريا معًا. فضبط الحدود البرية المشتركة وإنهاء المربعات الخارجة عن القانون يعدّان الممرّ الإلزامي الوحيد لتحصين القرار السعودي وإعادة فتح شريان الترانزيت البري للبضائع اللبنانية عبر الأراضي السورية باتجاه أسواق الخليج العربي. وبذلك، يتحول ضبط الحدود من واجب أمني تقليدي إلى رافعة حيوية للتكامل الاقتصادي الإقليمي الذي يربط بيروت بدمشق وعمقهما العربي.
بورصة المواقف اللبنانية: تباين الرئاسات وتحذير عين التينة
تعكس لقاءات الشيباني المقررة في بيروت، والتي تشمل الرئاسات الثلاث ومروحة واسعة من المكونات السياسية، من الرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، وصولًا إلى وليد جنبلاط وسمير جعجع وبهية الحريري، سعي دمشق إلى صياغة توازن دبلوماسي جديد. لكن المحطة الأكثر حساسية واستراتيجية تظل في عين التينة للقاء رئيس مجلس النواب نبيه بري.
يأتي هذا اللقاء على وقع تباين واضح في مواقف الرئاسات اللبنانية حول التطورات الأخيرة، وخصوصًا حيال "اتفاق الإطار" مع إسرائيل. فبينما يرى الحكم اللبناني ورئاسة الحكومة في هذا الاتفاق فرصة لتثبيت الاستقرار بدعم دولي وعربي واسع، أطلق الرئيس نبيه بري تحذيرًا استراتيجيًا ومباشرًا واصفًا الاتفاق بأنه "اتفاق ضد نفسه ولا يمكن أن يُطبّق، وهو خطر على سوريا وصُمّم لزرع الفتنة بين اللبنانيين".
هذا الموقف الحاسم من بري ينقل محادثات الشيباني في عين التينة من إطارها البروتوكولي إلى تشريح حقيقي لمخاطر الاتفاق على الأمن القومي المشترك للبلدين.
دمشق، من جهتها، وبحسب أوساطٍ مطّلعة، تحرص على طمأنة بري والثنائي الشيعي إلى أن حراكها لا يستهدف محاصرتهم، بل يحمل مبادرة لدعم الاستقرار الداخلي عبر التطبيق الكامل لبنود اتفاق الطائف، ومساعدة مؤسسات الدولة على حصر السلاح بيدها عبر مسار سياسي توافقي يجنب البلاد الصدام المسلح أو الاستجابة لضغوط واشنطن التي حاولت تلمس إمكانية دفع دمشق للتدخل عسكريًا لتحجيم أطراف داخلية.
الجغرافيا لا تلغي السيادة بل تنظمها
في المحصلة، يدرك وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، وتدرك معه المراجع السياسية في بيروت، أن الترابط التاريخي والاجتماعي بين الشعبين أعمق من أن تلغيه التحولات السياسية العابرة، لكنه في الوقت ذاته لم يعد مبررًا لاستمرار صيغ العلاقات الهشة.
إن التنسيق الدبلوماسي المرتقب في المفاوضات الدولية الرامية لضمان الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جنوب لبنان والجولان السوري المحتل يعكس ذروة هذا الترابط الاستراتيجي. الأمن القومي للبلدين كل لا يتجزأ، لكن حمايته اليوم لا تمر عبر الوصاية أو التبعية، بل عبر بناء دولتين قويتين، مؤسساتيتين، تنسقان بمسؤولية وبأعلى درجات الندية السيادية.