تحركات للثنائي الشيعي للسيطرة على أموال إعادة الإعمار

يضغط حزب الله وحليفته حركة أمل لإبقاء جزء أساسي من أموال التعويضات وإعادة الإعمار والاستشفاء المرتبطة بالحرب داخل مؤسسات لبنانية يمتلكان فيها نفوذاً سياسياً وإدارياً، بدلاً من حصر إدارة هذه الأموال بآلية مركزية جديدة ومستقلة، وفق معلومات خاصة حصل عليها "إرم نيوز".

وقال مصدر سياسي لبناني مطلع إن التحرك يشمل بصورة خاصة الملفات التي تمس السكان مباشرة، من تعويض المنازل وإعادة تأهيل المناطق المتضررة إلى الاستشفاء والخدمات الاجتماعية.

وأشار إلى أن الخلاف لا يدور فقط حول حجم الأموال التي ستخصصها الدولة، وإنما حول المؤسسات التي ستتولى صرفها والوصول بها إلى المواطنين.

وبحسب المصدر، يسعى حزب الله وحليفته "أمل" إلى الاحتفاظ بدور مؤسسات يتمتعان فيها بنفوذ، وفي مقدمتها مجلس الجنوب، إضافة إلى الوزارات والهيئات المرتبطة بالصحة والعمل والضمان الاجتماعي والخدمات، باعتبارها جزءاً من الشبكة التي بناها الثنائي خلال عقود داخل الدولة.

وتكتسب هذه المعركة أهمية أكبر مع تراجع قدرة حزب الله على دفع التعويضات مباشرة لجمهوره كما فعل في مراحل سابقة، مقابل تضخم فاتورة الدمار والنزوح والاستشفاء الناتجة عن الحروب التي يخوضها خارج قرار الدولة اللبنانية.

من يدفع الفاتورة؟
وتكشف أرقام الحرب حجم الأموال التي أصبحت الدولة اللبنانية مطالبة بتوفيرها. فقد قدر وزير المالية ياسين جابر أن تصل كلفة الأضرار والخسائر المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بالحرب إلى نحو 20 مليار دولار، فيما تبلغ موازنة لبنان لعام 2026 نحو 538.4 تريليون ليرة، أي قرابة 6 مليارات دولار فقط.

وأوضح جابر أن التقدير يشمل أضرار الحرب السابقة والحرب التي اندلعت في مارس/آذار، إلى جانب الخسائر المالية وفوات الإيرادات.

وتوقع انكماش الاقتصاد بين 7 و10% خلال العام الجاري.

واللافت أن الحرب الأخيرة بدأت في الثاني من مارس/آذار عندما دخل حزب الله المواجهة دعماً لإيران، بينما لم تكن الحكومة اللبنانية صاحبة قرار فتح الجبهة. لكن النتائج الاقتصادية والإنسانية انتقلت سريعاً إلى مؤسسات الدولة.

وخصصت الخزينة 50 مليون دولار لوزارة الشؤون الاجتماعية لمواجهة النزوح، إضافة إلى 200 مليون دولار ضمن اتفاق مع البنك الدولي و45 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي، وفق وزير المالية، الذي أكد اعتماد لبنان بصورة متزايدة على القروض لتمويل احتياجاته.
الصحة.. 25 تريليون ليرة
وتظهر وزارة الصحة كأحد أهم مفاصل الإنفاق، ويتولاها ركان ناصر الدين المحسوب على حزب الله، بينما يتولى محمد حيدر، المحسوب على الحزب أيضاً، وزارة العمل التي تخضع لسلطتها الوصائية مؤسسة الضمان الاجتماعي.

وخلال مناقشة موازنة 2026، أقرت لجنة المال والموازنة نقل 8 تريليونات ليرة إضافية إلى بند الاستشفاء، الذي يصل بذلك إلى نحو 25 تريليون ليرة، وفق رئيس اللجنة إبراهيم كنعان.

وكانت دراسة لـ"تشاتام هاوس" قد وثقت سابقًا استفادة مؤسسات تابعة لحزب الله من علاقاتها بمؤسسات الدولة، وأشارت إلى حصول "مؤسسة الشهيد" على معدات وأدوية وسيارات إسعاف مدعومة من وزارة الصحة.

كما أشارت إلى استفادة "جهاد البناء" من تعاون رسمي مع وزارة الزراعة.

ولا تعني هذه الوقائع أن الأموال العامة تتحول مباشرة إلى خزينة الحزب، لكنها تظهر كيف استطاع حزب الله بناء شبكة تتقاطع فيها مؤسساته الخاصة مع الوزارات والإدارات الرسمية.
90 مليون دولار لمجلس الجنوب
وتظهر المعركة بصورة أوضح في ملف إعادة الإعمار.

فخلال مناقشات موازنة 2026، ضغط نواب حزب الله وحركة أمل لإدراج تمويل للإعمار، وربطوا دعم الموازنة بتخصيص أموال للمناطق المتضررة.

وأقرت لجنة المال والموازنة تحويل ما يقارب 90 مليون دولار من الاحتياطي إلى مجلس الجنوب، بعدما كانت وزارة المالية قد حولت إليه 16.7 مليون دولار في أغسطس/آب 2025 لإعادة الإعمار.

في المقابل، أنشأت الحكومة مساراً آخر لإدارة قسم من أموال الإعمار.

فمشروع المساعدة الطارئة للبنان الممول من البنك الدولي يقوم على إطار قابل للتوسع بقيمة مليار دولار، بدأ البنك بتمويل 250 مليون دولار منه، ويعمل ضمن هيكل حكومي موحد يشدد على الرقابة والشفافية.

وهنا، بحسب المصدر السياسي، تكمن حساسية الضغوط الحالية، فإبقاء ملفات التعويض والخدمات موزعة على المؤسسات التقليدية يعني استمرار قدرة الحزب وحلفائه النافذين فيها على الحضور بين الدولة والمواطن، بينما يؤدي نقل الأموال إلى آلية مركزية مستقلة إلى تقليص هذه الحلقة.

أخبار ذات صلة
11 ملياراً من حرب سابقة
ولا تبدأ فاتورة الدولة بالحرب الحالية. فقد قدر البنك الدولي كلفة حرب 2023-2024 على الاقتصاد اللبناني بنحو 14 مليار دولار، بينها 6.8 مليار أضرار مادية و7.2 مليار خسائر اقتصادية، فيما بلغت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار 11 مليار دولار.

والأهم أن البنك قدر أن ما بين 3 و5 مليارات دولار من تلك الاحتياجات يجب أن يأتي من التمويل العام، بينها مليار دولار للبنية التحتية والطاقة والمياه والنقل والخدمات البلدية.

وكانت النبطية والجنوب الأكثر تضرراً، تليهما مناطق في جبل لبنان تشمل الضاحية الجنوبية لبيروت.

 شبكة داخل الدولة
ويرى الكاتب والباحث السياسي اللبناني علي حمادة أن حزب الله استطاع خلال سنوات نفوذه نقل جزء من كلفة منظومته الاجتماعية إلى مؤسسات الدولة.

وقال حمادة لـ"إرم نيوز" إن الشبكة المالية للحزب تقوم، في جانب منها، على "الاستفادة من مقدرات الدولة اللبنانية عبر مختلف الوزارات التي يمسك بها مباشرة أو عن طريق حلفائه"، مشيراً إلى الصحة والعمل والضمان الاجتماعي والمؤسسات التي يتمتع فيها الثنائي الشيعي بنفوذ.

وبحسب حمادة، يسمح ذلك للحزب بتوفير خدمات صحية واجتماعية لجمهوره لا تمول جميعها من موارده الخاصة، فيما تصبح المعادلة أكثر كلفة خلال الحروب، عندما تتضاعف احتياجات بيئته إلى العلاج والإغاثة والتعويض وإعادة الإعمار.

وتظهر الأرقام حجم هذه المعادلة. فحزب الله اتخذ قرار دخول الحرب الأخيرة دعمًا لإيران، لكن لبنان، بموازنة لا تتجاوز 6 مليارات دولار، وجد نفسه مجددًا أمام مليارات الدولارات من الأضرار والخسائر.

وفي المقابل، يخوض الحزب الآن معركة أخرى تتمثل في الإبقاء على نفوذه داخل المؤسسات التي ستتولى دفع جانب من فاتورة الحرب.