المصدر: وكالة الأنباء المركزية
الكاتب: جوانا فرحات
الجمعة 22 أيار 2026 14:20:52
"إنها البداية" قالها وزير الخزانة الأميركيّ سكوت بيسنت إثر فرض وزارة الخزانة الأميركية، عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، عقوبات على تسعة أشخاص بينهم 4 نواب لحزب الله ومسؤولَين أمنيَّين وعسكريين أحدهما برتبة عميد في الأمن العام وعقيد في جهاز المخابرات في الجيش اللبناني والسفير الإيراني المعيّن والمخلوع محمد رضا شيباني .
حصل ذلك في وقت بدأ يخشى البعض أن تتحول آلية تكرار تمديد الهدنة في لبنان بعد كل جولة مفاوضات في واشنطن إلى ما يُعرف بنموذج "تجميد الصراع" وهذا يعني وفق الميدان الداخلي ضمان إسرائيل عدم تعرض المستوطنات الشمالية إلى طلقة رصاص بعدما انشأت المنطقة العازلة وعمّقت توغلها إلى حدود ما قبل العام 2000 مع الإبقاء على سلاح حزب الله في انتظار أن تُقدم الدولة اللبنانية على نزعه...إذا فعلت!
فهل تقف الإدارة الأميركية التي دخلت بالمباشر على خط المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية وتضغط بعد كل جولة على تمديد الهدنة؟
رئيس لجنة متابعة تنفيذ قرارات مجلس الأمن الخاصة بلبنان طوني نيسي العائد من واشنطن يوضح لـ"المركزية" أن القرار الذي تتخذه الولايات المتحدة في شأن وقف إطلاق النار بعد كل جولة مفاوضات إنما هو محصور بين دولتي لبنان وإسرائيل وليس بين إسرائيل وحزب الله وهذا ما يجب أن يتنبه له المسؤولون السياسيون في لبنان وعلى رأسهم رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وبالتالي فإن التمديد محصور بالعاصمة بيروت والضاحية الجنوبية أما جنوبا حيث مخازن وأوكار حزب الله فالحرب لا تزال قائمة والجيش الإسرائيلي يواصل خطة التهجير ووصل إلى قضاء صيدا وبذلك يكون أعاد رسم الحدود التي كان يحتلها قبل الإنسحاب عام 2000 أي جنوب الليطاني. ولا يخفي نيسي انزعاج حكومة إسرائيل من هذه الحصرية في الميدان "ونسمع ونقرأ عن نية إسرائيل توجيه ضرباتها إلى بيروت والضاحية الجنوبية حيث توجد مصانع تصنيع المسيّرات ومخازن الأسلحة والصواريخ لكن ترامب لا يزال يصر على استثنائها.
حتى الآن تمكنت الولايات المتحدة من تحقيق إنجازين ديبلوماسيين، يقول نيسي، وهما اعتراف الدولة اللبنانية بالمباشر بوجود دولة إسرائيل وجلوس لبنان وإسرائيل إلى طاولة مفاوضات. الأمران الأكثر أهمية واللذان سيتحققان لاحقا استحداث غرفة عسكرية مشتركة برتبة عقيد بين لبنان وإسرائيل في 29 أيار الجاري والرابع وصول قوات دولية لمؤازرة الجيش اللبناني في استكمال مهمة نزع سلاح حزب الله في شمال الليطاني وبيروت والضاحية. وإذا تحقق ذلك فهذا يعني أن المواجهة ستكون بين حزب الله والمجتمع الدولي وليس مع إسرائيل مع فصل الدولة اللبنانية كليا عن حزب الله .لكن ثمة استحالة للوصول إلى هذه المرحلة علماً أن الخطة الدولية تقضي بأخذ الدولة اللبنانية إلى هذا المسار".
يتابع نيسي" إما أن يكون لبنان شريكا في مشروع السلام في الشرق الأوسط أو عدوا له وبذلك يكون الثمن باهظا جدا لأن الولايات المتحدة تصرعلى ذلك كما المجتمع الدولي وما مهل تمديد الهدنة إلا لإعطاء فرصة للديبلوماسية. لكن قد تكون الهدنة الثالثة ثابتة وإذا لم تحدد الدولة اللبنانية موقفها بالمباشر من مشروع الدخول في السلام سيكون لكل حادث حديث وستعطي إسرائيل الضوء الأخضر لإطلاق يدها على كل الأراضي اللبنانية".
الأبرز، في ما يقول نيسي، أن ربط ملف لبنان وملف إيران غير وارد إلا في نسج خيال حزب الله وكلام إيران بأن على لبنان أن يكون ضمن قرار وقف إطلاق النار في المفاوضات الأميركية-الايرانية غير صحيح".
تبقى الخشية من أن يبقى سلاح حزب الله خارج معادلة السلام الشامل ومتروك أمره للدولة اللبنانية. وإذا بقي، هل يمكن أن يتحول تدريجياً إلى أداة نفوذ داخلي أكثر منه سلاحاً موجهاً إلى الخارج وتحديدا نحو الهدف العقائدي منه أي ضد إسرائيل؟
"إسرائيل ستتمدد وتتوسع وتقصف وتغتال من أجل أمنها القومي والمدني، بالتوازي هي على استعداد ولديها في المقابل نية في توقيع اتفاق سلام مع لبنان والإنسحاب من الأراضي التي احتلتها، شرط أن تضمن اتفاقية السلام أمنها في الشمال. من هنا على الدولة أن تكون أكثر جرأة وتعلن استعدادها للدخول كشريك في مشروع السلام بدل الوقوف على الأطلال بعدما تتولى إسرائيل عملية نزع سلاح الحزب وتقبض الثمن على طاولة المفاوضات ولا يزال هذا الثمن مجهولا ولن يُكشف عنه إلا خلال المفاوضات لذلك لم يعد التردد مسموحا وعلى رئيس الجمهورية أن يعلن بالمباشر قراره بالدخول كشريك في مشروع السلام. إما أن نربح بجرأة أو نخسر بجرأة".
قد يكون خيار"تجميد الصراع" الأكثر واقعية في الظروف الحالية، خصوصاً في ظل استحالة الوصول إلى تسوية شاملة في المدى المنظور. فالتوازنات الإقليمية المعقدة، والانقسام الداخلي اللبناني، وغياب أي مشروع سياسي جامع، كلها عوامل تجعل من إدارة الأزمة خياراً أقل كلفة من محاولة حسمها بالقوة. لكن هذا المنطق، على رغم واقعيته، يحمل في طياته خطراً يتمثل في تحويل الوضع الموقت إلى حالة دائمة. في النهاية يبدو أن لبنان دخل بالفعل مرحلة جديدة لم تعد فيها الهدنة مجرد إجراء موقت بين جولات القتال، بل تحولت تدريجياً إلى إطار ثابت لإدارة النزاع. غير أن "تجميد الصراع" لا يعني تحقيق الاستقرار الحقيقي، بل يعني تأجيل الانفجار الكبير إلى إشعار آخر. وبين التأجيل والانفجار، يبقى لبنان عالقاً في منطقة رمادية حيث لا حرب شاملة ولا سلام فعلي، بل أزمة مفتوحة تُدار يومياً على حافة الهاوية.