جبران باسيل بين تبدّل المواقف ومحاولة العودة إلى المشهد

كتب فرانسوا الجردي:

هل أصبح اتفاق الإطار فرصة جديدة لإعادة التموضع السياسي؟
في السياسة اللبنانية، قد تختلف الشعارات، لكن المصالح كثيرًا ما تجمع من كانوا حتى الأمس القريب في خنادق متقابلة. ولعل اللقاء الذي جمع رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل، في ظل مرحلة دقيقة أعقبت توقيع اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، يعكس حجم التحولات التي تشهدها الساحة السياسية اللبنانية.

فالرجلان اللذان تبادلا، على مدى سنوات، الاتهامات السياسية والإعلامية، وجدا نفسيهما اليوم يلتقيان حول عناوين مشتركة، أبرزها التحفظ على المسار الذي بدأه العهد بقيادة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، والذي يهدف إلى إعادة تثبيت مرجعية الدولة وحصر قرار الحرب والسلم بمؤسساتها الدستورية.

قد يكون هذا اللقاء في ظاهره حوارًا سياسيًا طبيعيًا، لكن توقيته ومضمونه يفتحان الباب أمام تساؤلات مشروعة: هل نحن أمام تقاطع ظرفي فرضته المرحلة؟ أم أمام محاولة لإعادة تشكيل جبهة سياسية هدفها إبطاء أو تعطيل مسار التحولات التي يشهدها لبنان؟

باسيل... سياسة التموضع الدائم
يصعب قراءة المسار السياسي لجبران باسيل من دون ملاحظة سمة تكاد تلازمه منذ دخوله الحياة العامة، وهي القدرة على تبديل التموضع وفق موازين القوى.

فقد انتقل من خطاب المواجهة إلى خطاب التفاهم، ومن الدفاع المطلق عن "حزب الله" إلى انتقاده في محطات عدة، ثم عاد ليفتح قنوات التواصل مع حلفائه السابقين عندما فرضت الظروف ذلك.

هذا الأسلوب جعل كثيرين يعتبرون أن الأولوية لدى باسيل ليست ثبات الموقف السياسي، بل المحافظة على حضوره داخل المعادلة اللبنانية مهما تبدلت التحالفات.

بين المعارضة والموالاة... حسب الحاجة
في أكثر من محطة، حاول باسيل أن يقدم نفسه معارضًا للحزب عندما شعر بأن كلفة التحالف أصبحت مرتفعة داخليًا وخارجيًا. لكنه في الوقت نفسه لم يذهب إلى حد القطيعة الكاملة، بل أبقى خطوط التواصل مفتوحة، بما يسمح له بالعودة متى تبدلت الظروف.
واليوم، ومع دخول لبنان مرحلة جديدة عنوانها تنفيذ اتفاق الإطار واستعادة الدولة لدورها، يبدو أن باسيل يحاول مرة أخرى التموضع في المكان الذي يضمن له أكبر قدر من المكاسب السياسية.

لقاء عين التينة... رسائل تتجاوز المجاملة
الحديث عن حماية المؤسسة العسكرية ورفض الفتنة يبقى عنوانًا وطنيًا لا خلاف عليه. لكن السياسة لا تُقرأ بالشعارات وحدها، بل أيضًا بالتوقيت والسياق.

فاللقاء مع الرئيس نبيه بري، في هذا التوقيت بالذات، يحمل دلالات سياسية تتجاوز المجاملات البروتوكولية، خاصة أن الرجلين كانا من أكثر الشخصيات التي شهدت علاقتهما توترًا طوال السنوات الماضية.

ومن هنا، يرى كثيرون أن التقاطع الحالي يعكس مصالح سياسية فرضتها المرحلة أكثر مما يعكس مصالحة حقيقية.

اتفاق الإطار... بداية تغيير لا يريدها كثيرون
أحدث اتفاق الإطار تحولًا كبيرًا في المشهد اللبناني، لأنه أعاد طرح مسألة سيادة الدولة، وحصرية السلاح، وإعادة بناء المؤسسات على أسس دستورية.
وهذه التحولات تمس مباشرة موازين القوى التي حكمت لبنان خلال السنوات الماضية، لذلك من الطبيعي أن تظهر محاولات سياسية لإبطاء هذا المسار أو إعادة التفاوض حول نتائجه.

وفي هذا السياق، يُقرأ التقارب بين بعض القوى التي كانت متخاصمة على أنه محاولة لإعادة إنتاج توازنات قديمة في مواجهة واقع سياسي جديد.

العهد أمام اختبار التنفيذ
يبقى الرهان الأساسي على قدرة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، بالتعاون مع الحكومة والمؤسسات الشرعية، على تحويل اتفاق الإطار من وثيقة سياسية إلى مسار عملي يعيد للدولة حضورها وهيبتها.

فنجاح هذا المسار سيقاس بقدرة الدولة على بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، واستعادة القرار الوطني المستقل، وإخراج لبنان من سياسة المحاور التي دفعت البلاد أثمانًا باهظة.

الخلاصة
التبدل في المواقف السياسية ليس عيبًا إذا كان ناتجًا عن مراجعة فكرية صادقة أو قراءة وطنية جديدة. أما عندما يصبح تبديل المواقع وسيلة دائمة للبقاء في السلطة أو العودة إليها، فإنه يفقد قيمته السياسية ويتحول إلى انتهازية في نظر الرأي العام.
واليوم، يجد جبران باسيل نفسه أمام اختبار جديد. فإما أن يقدم مشروعًا سياسيًا واضحًا وثابتًا ينسجم مع مصلحة الدولة اللبنانية، وإما أن يبقى أسير سياسة التموضع المستمر، حيث تتغير التحالفات بتغير موازين القوى، بينما يبقى لبنان هو الخاسر الأكبر