تعليقًا على اتفاق وقف إطلاق النار وموقف حزب الله الرافض له، اعتبر المعاون السياسي لرئيس حزب الكتائب سيرج داغر أن ما حصل كان متوقعاً إلى حدّ كبير فالدولة اللبنانية، ممثلة برئيس الجمهورية والحكومة، تحاول تجنيب لبنان مزيداً من الدمار جراء الحرب القائمة اليوم والتي هي ليست بين لبنان وإسرائيل، بل مواجهة بين إسرائيل وحزب الله باعتباره جزءاً من المحور الإيراني في المنطقة، ولو لم تدخل الدولة في مسار المفاوضات ولم تُظهر أنها صاحبة القرار المستقل، لكان لبنان بأكمله عرضة للقصف والتدمير اليومي. لذلك لم يكن هناك بديل عن السعي إلى وقف الحرب وإطلاق النار والمطالبة بانسحاب إسرائيل.
داغر وفي حديث عبر SPOTSHOT، قال:" من غير المنطقي انتقاد الدولة لأنها تفاوضت، إنما الواقع أن حزب الله هو من أدخل لبنان في حرب تحت عناوين لا علاقة لها بالدفاع عن الأراضي اللبنانية، ما أدى إلى تدمير مناطق واسعة من الجنوب والضاحية والبقاع، وإلى إلحاق أضرار جسيمة بالاقتصاد ومستقبل اللبنانيين، وبالتالي رئيس الجمهورية اليوم يحاول وقف الحرب وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي، وهي المطالب نفسها التي يرفعها حزب الله نظرياً. لكن الفارق يكمن في الوسيلة. فالبعض يقول إن حزب الله هو الذي سيفرض هذه النتائج، بينما الوقائع على الأرض تشير إلى أن إسرائيل تمكنت من التقدم والسيطرة على مناطق عديدة، ما يطرح تساؤلات جدية حول فعالية هذه الاستراتيجية."
ولفت الى أن الحديث عن رفض المفاوضات المباشرة، يفتقر إلى المنطق، فإذا كان الهدف الوصول إلى حل وإنهاء الأزمة لا يمكن الاعتراض على كل أشكال التفاوض في الوقت الذي يحتاج فيه لبنان إلى مخرج فعلي من هذه الحرب، مضيفًا:" يُقال إن الدولة تتفاوض من دون أوراق قوة، لكن السبب في ذلك واضح: فلو كان هذا السلاح تحت سلطة الدولة لكان بالإمكان استخدامه كورقة تفاوضية من أجل تحقيق المطالب الوطنية."
أما بشأن الحوار مع حزب الله، قال داغر:" المشكلة الأساسية أن قياداته تعلن بشكل واضح أن قرارها السياسي والعسكري والعقائدي مرتبط بالولي الفقيه في إيران، وبالتالي هم يؤكدون بأنفسهم أن قرارهم ليس لبنانياً. في حين اللبنانيون هم الذين يدفعون الثمن، القتلى والدمار والتهجير والانهيار الاقتصادي كلها تقع على أرض لبنان، بينما القرارات الكبرى تُتخذ خارج حدوده. والحديث عن أن الكرامة تُحفظ من خلال استمرار الحرب والمعاناة أمر يصعب قبوله. فالكرامة الحقيقية تبدأ بحماية الإنسان وحقه في العيش الكريم، إذ لا كرامة في أن يعيش الناس في خيمة أو أن يُحرموا من منازلهم ومدارسهم ومستقبلهم. وأي مشروع سياسي أو عسكري يضع هؤلاء في دائرة الخطر لا يمكنه أن يحتكر الحديث باسم الكرامة."
وتابع:" أما القول إن البيئة الشيعية موحّدة خلف خيار حزب الله، فهو تبسيط للواقع. فداخل المجتمع الشيعي فئات متعددة؛ هناك من يعارض هذا المسار بشكل واضح، وهناك من لا يؤمن بالارتباط السياسي والعقائدي بإيران، كما أن هناك جمهوراً واسعاً تربّى لعقود على خطاب سياسي وإعلامي محدد شكّل قناعاته الحالية. كذلك لا يمكن تجاهل تأثير منظومة الخدمات والترغيب والترهيب التي ساهمت في تكوين هذا الواقع. في المقابل، يواجه المعارضون داخل البيئة الشيعية صعوبات كبيرة في التعبير عن آرائهم بحرية. فقد شهدت السنوات الماضية حالات ترهيب ومنع للنشاطات السياسية، فضلاً عن الاعتداءات التي طالتهم. وهذا يطرح سؤالاً جدياً حول مدى قدرة الأصوات المختلفة على التعبير عن نفسها بحرية داخل هذه البيئة."
وأشار الى أن لبنان اليوم أمام مرحلة سياسية مختلفة عن المراحل السابقة، إذ للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، هناك خطاب رسمي يتحدث بوضوح عن حصرية السلاح بيد الدولة وعن استعادة المؤسسات لدورها الطبيعي. صحيح أن الطريق لا يزال طويلاً، لكن من الخطأ التقليل من أهمية هذا التحول أو التعامل معه وكأنه مجرد تغيير شكلي. في السابق كان حزب الله قادراً على فرض خياراته السياسية بسهولة أكبر، أما اليوم فهناك معادلات جديدة بدأت تتشكل داخلياً وخارجياً. وهذا لا يعني أن الأمور حُسمت نهائياً، لكنه يدل على أن ميزان القوى السياسي لم يعد كما كان.
وأضاف:" الشيعة مكوّن أساسي وأصيل من المجتمع اللبناني ولا أحد يستهدف وجودهم أو دورهم الوطني، الخلاف السياسي قائم مع حزب الله وخياراته، وليس مع الطائفة الشيعية أو أهل الجنوب أو أي فئة لبنانية أخرى. بل على العكس، فإن الحرص على أهل الجنوب يقتضي السعي إلى حمايتهم من الحروب المتكررة ومن دفع أثمان الصراعات الإقليمية. فمن أمضى سنوات طويلة في الاغتراب لبناء منزل وحياة كريمة في قريته لا يستحق أن يرى كل ما بناه يتحول إلى ركام أو أن يُجبر على العيش في النزوح والخيام. كذلك فإن مفهوم التضحية لا يمكن أن يكون قائماً على مطالبة الناس العاديين وحدهم بدفع الثمن. من يختار المواجهة يجب أن يكون مستعداً لتحمل تبعاتها بنفسه، لا أن تُلقى الأعباء على المدنيين الذين يخسرون منازلهم وأرزاقهم وأمنهم الشخصي."
ولفت الى أن بعض القرى التي رفضت تحويل نفسها إلى ساحات مواجهة أو أصرت على التمسك بالدولة ومؤسساتها، استطاعت الحفاظ على قدر أكبر من الاستقرار مقارنة بمناطق أخرى دفعت أثماناً باهظة نتيجة الخيارات العسكرية المفروضة عليها، مضيفًا:" لا ينبغي التعامل باستخفاف مع التحولات السياسية التي يشهدها لبنان اليوم، فالمسار الجديد لا يعني أن كل المشكلات ستُحل بين ليلة وضحاها، لكنه يمثل بداية مختلفة عمّا كان قائماً خلال العقود الماضية. أما الحديث عن أن حزب الله يواجه تهديداً لوجوده، فيجب أولاً تحديد المقصود بهذا الوجود. فإذا كان الحديث عن الطائفة الشيعية، فلا أحد يهددها أو يسعى إلى استهدافها. الشيعة جزء أساسي من النسيج اللبناني، والخلاف السياسي لا يتعلق بهم بل بمشروع سياسي وعسكري محدد. أما إذا كان المقصود الحزب نفسه، فمن الطبيعي أن يواجه ضغوطاً سياسية داخلية وخارجية نتيجة الخيارات التي اتخذها خلال السنوات الماضية."
وردًا على سؤال، رأى أن الجيش اللبناني ليس مطلوباً منه أن يخوض معارك نيابة عن أي طرف أو أن يدفع ثمن قرارات لم تتخذها الدولة. مهمة الجيش هي حماية لبنان عندما يكون هناك قرار وطني جامع بالدفاع عن البلاد، لا أن يجد نفسه في مواجهة نتائج سياسات أو حروب فُرضت على الدولة من خارج مؤسساتها الشرعية، لذلك فإن المطالبة بأن يتصدى الجيش للاعتداءات الإسرائيلية في ظل استمرار وجود السلاح خارج إطار الدولة تطرح إشكالية كبيرة. فحين تكون الحدود والسلاح والقرار العسكري تحت سلطة الدولة وحدها، يصبح الدفاع عن لبنان مسؤولية الجيش وكل اللبنانيين. أما في ظل الواقع الحالي، فلا يجوز تحميل المؤسسة العسكرية أعباء قرارات لم تشارك في اتخاذها.
وتابع:" في ما يتعلق باتهام الجيش بأنه يعمل لمصلحة إسرائيل، فهذا اتهام مرفوض. الجيش يعمل لمصلحة لبنان فقط، بينما الإشكالية الأساسية تكمن في وجود جهات أخرى تربط قراراتها بحسابات إقليمية تتجاوز المصلحة اللبنانية المباشرة."
وشدد على أن جوهر الأزمة مسألة سلاح حزب الله، مشيرًا الى أن المشكلة لا تتعلق فقط بوقف إطلاق النار أو بترتيبات ميدانية مؤقتة، بل بوجود سلاح خارج سلطة الدولة، وأي اتفاق أو تسوية لن يكون مستقراً ما دام هذا الملف معلقاً، لأن السلاح المستقل عن الدولة يبقي احتمالات المواجهة والحرب قائمة في أي وقت.
وأضاف:"من الخطأ تصوير مطلب حصر السلاح بيد الدولة على أنه مطلب إسرائيلي أو أميركي . فهناك شريحة واسعة من اللبنانيين، من مختلف الطوائف والانتماءات السياسية، تطالب منذ سنوات بأن تكون الدولة وحدها صاحبة القرار الأمني والعسكري."
وتابع:" أما الرهان على تغييرات إقليمية أو على تفاهمات بين إيران والولايات المتحدة لحل الأزمة اللبنانية، فهو يعكس في حد ذاته حجم المأزق القائم. فمصير لبنان لا ينبغي أن يبقى معلقاً على نتائج مفاوضات خارجية أو على صراعات إقليمية لا يملك اللبنانيون أي تأثير فعلي فيها. وفي ما يخص التحذيرات من حرب أهلية، فإن أي مواجهة محتملة بين الدولة اللبنانية ومجموعة مسلحة خارجة عن سلطتها لا يمكن وصفها بأنها حرب أهلية بالمعنى التقليدي. فالحرب الأهلية تكون بين مكونات المجتمع اللبناني، أما عندما يتعلق الأمر بفرض سلطة الدولة وسيادتها في مواجهة تنظيم مسلح مرتبط بقرار خارجي، فإن الأمر يختلف من حيث المبدأ والتوصيف."
وأكد أن المطلوب هو قيام دولة قادرة على بسط سلطتها على كامل أراضيها، وامتلاك القرار الأمني والعسكري والسياسي بصورة حصرية لان استمرار الازدواجية بين الدولة والسلاح خارجها هو ما أوصل لبنان إلى أزماته المتكررة، وأي حل مستدام يمر أولاً عبر استعادة الدولة لدورها الكامل وسيادتها على جميع أراضيها.
وردًا على سؤال، قال:" الوصول الى اتفاق مماثل لاتفاق 17 أيار حلم، والملفت ان حزب الله لا يحبذ تسمية الاتفاق باسمه أي "اتفاقية انسحاب الجيش الاسرائيلي من لبنان" ومن دون حرية الحركة لاسرائيل التي رفضها الرئيس أمين الجميّل آنذاك، واليوم هو وقت الاعتذار منه".