رسائل إسرائيلية إلى الشرع في الجنوب السوري...ضبط الحدود ورسم قواعد اشتباك جديدة

ماذا يجري في الجنوب السوري؟ سؤال يرتبط بمشهد الإعتداءات الإسرائيلية والضربات المتتالية على قرية عابدين في منطقة حوض اليرموك بريف درعا الغربي خلال اليومين الماضيين، مصحوبة بمحاولات توغل بري وقصف مدفعي وإطلاق نار ما أدى الى نزوح قسم من السكان الى القرى المجاورة.

قد لا يكون المشهد جديدا أقله في القراءة العسكرية للتطورات التي يشهدها الجنوب السوري منذ الإطاحة بحكم الرئيس المخلوع بشار الأسد في كانون الأول 2024،  حيث تجاوزت وتيرة التوغلات الإسرائيلية المنطقة العازلة المنزوعة السلاح في الجولان، لكن وتيرتها ازدادت في شهر حزيران في محافظتي درعا والقنيطرة وسجلت حوالى 300 عملية خرق إسرائيلي تخللتها 79 عملية توغل و28 مداهمة، إضافة إلى 13 عملية احتجاز لسكان، بحسب المرصد السوري، كما سجلت عمليات قصف لمناطق في حوض اليرموك بعد احتجاجات محلية على تحركات القوات الإسرائيلية.

في التوقيت، تقول مصادر متابعة للمشهد العسكري في الجنوب السوري لـ"المركزية" أن هذا التصعيد يأتي في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، إذ تتزامن هذه الضربات والتوغل البري مع التقدم في مسار التفاهمات بين لبنان وإسرائيل، بما في ذلك الإعلان عن اتفاق إطاري لاستكمال المفاوضات بشأن ملفات عالقة على الحدود. فهل ما يجري في الجنوب السوري مجرد ردود فعل تكتيكية على أحداث ميدانية، أم أنه جزء من استراتيجية إسرائيلية أوسع لإعادة رسم قواعد اشتباك جديدة؟

أحد أبرز العوامل التي تفسر التصعيد الإسرائيلي بحسب المصادر هو الواقع الأمني الجديد في الجنوب السوري وتحديدا بعد انهيار بنية الجيش السوري السابقة وبروز تحديات أمام السلطة الإنتقالية في إعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية. وقد سمح هذا الواقع العسكري بظهور مجموعات معادية وعودة نشاط فصائل مرتبطة بمحور إيران أو تنظيمات مسلحة أخرى، مما دفع القوات الإسرائيلية إلى اعتماد سياسة تقوم على التدخل المباشر لمنع أي تموضع تعتبره تهديداً مستقبلياً، بدلاً من الاكتفاء بالردع التقليدي.

وتلفت المصادر إلى أن عمليات التوغل البرية المتكررة داخل مناطق من محافظة القنيطرة وريف درعا، مع إقامة مواقع مراقبة ونقاط عسكرية مؤقتة أو دائمة في بعض المواقع تؤشر إلى إمكانية إنشاء شريط أمني غير معلن داخل الأراضي السورية، تكون مهمته إبعاد أي وجود مسلح عن خط وقف إطلاق النار، بما يشبه "المنطقة الأمنية" التي استحدثتها القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان مع اختلاف  الظروف السياسية والعسكرية.

حتى الآن لا شيء يُثبت أن التصعيد الإسرائيلي في سوريا مرتبط مباشرة بالاتفاق الإطاري مع لبنان. لكن من خلال متابعة نمط العمليات خلال الأشهر الأخيرة، تبدو الأهداف العسكرية الإسرائيلية مركزة على أربعة محاور هي منع إعادة بناء أي بنية عسكرية سورية قرب الجولان، ومنع وصول أسلحة متطورة إلى مجموعات تعتبرها معادية، وفرض عمق أمني داخل الجنوب السوري، واختبار قدرة السلطة السورية الجديدة على فرض السيطرة في تلك المناطق.

في المقابل، تتابع المصادر، ترى إسرائيل أن تثبيت واقع أمني جديد في الجنوب السوري يشكل جزءاً من استراتيجية أشمل لإعادة هندسة بيئة الحدود الشمالية بعد المتغيرات الكبرى التي شهدتها المنطقة منذ العام 2023. إلا أن نجاح هذه الاستراتيجية يرتبط بقدرة دمشق على إعادة بناء مؤسساتها الأمنية، وبمدى قدرة المسارات الدبلوماسية الإقليمية على احتواء التصعيد ومنع تحوله إلى مواجهة أوسع.

توسع العمليات في ريف درعا والقنيطرة، بالتزامن مع مرحلة سياسية دقيقة تشهدها المنطقة فتح الباب أمام مجموعة واسعة من التفسيرات. ومن بين أكثر الفرضيات المطروحة وفق المصادر أن اعتماد استراتيجية تكثيف الضربات يشكل وسيلة ضغط غير مباشرة على الرئيس السوري أحمد الشرع، لدفع حكومته إلى تحمل مسؤولية أمنية أكبر على الحدود، و منع أي نشاط عسكري قد تستفيد منه قوى حليفة لإيران، وفي مقدمها حزب الله.

وعن فرضية الضغط على الشرع للتدخل في لبنان والقضاء على حزب الله، تجزم المصادر أن إسرائيل لا تنتظر من دمشق الدخول في مواجهة مباشرة مع حزب الله داخل لبنان، لأن ذلك يتجاوز قدرات الدولة السورية الحالية، كما أنه قد يجر سوريا إلى صراع إقليمي واسع لا يبدو أن القيادة الجديدة مستعدة له. لكن قد يكون الهدف الإسرائيلي دفع الحكومة السورية إلى اتخاذ إجراءات تمنع استخدام الأراضي السورية كمسار لنقل السلاح أو كمجال لإعادة تنظيم شبكات مرتبطة بحزب الله أو بإيران، وإلى تعزيز الرقابة الأمنية في المناطق الحدودية وتبنّي سياسة أمنية تتوافق مع المصالح الإسرائيلية في ما يتعلق بمنع إعادة بناء القدرات اللوجستية والعسكرية لمحور إيران عبر الأراضي السورية.

وتتوقف المصادر عند الأهداف بعيدة المدى التي تحاول أن ترسمها إسرائيل من خلال استثمار اللحظة الإقليمية، ومن أبرزها إعادة رسم قواعد اللعبة على كامل حدودها الشمالية، بحيث تصبح سوريا ولبنان جزءًا من منظومة أمنية جديدة تقوم على تقليص نفوذ الفصائل المسلحة ومنع إعادة بناء البنية العسكرية التي كانت قائمة قبل الحرب وكل هذا يرتبط بقدرة السلطة الجديدة على ضبط حدودها ومنع أي تهديد ينطلق من الأراضي السورية.