سباق كليرفيلد- نتنياهو: جولة روما أولاً أم جولة علي الطاهر؟

تُشكل الزيارات المتتالية لرئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان، الجنرال الأميركي جوزف كليرفيلد، محطّة مفصلية وحاسمة لبلورة مسار الأزمة، خصوصاً لجهة ​البحث عن غطاء سياسي وآليات تنفيذية لاتفاق الإطار. فالأطراف كافة تدرك أن أي خطوات ميدانية أو ترتيبات أمنية تُطرح لن تُكتب لها الحياة من دون غطاء وقرار سياسي حاسم تساهم الولايات المتحدة في صياغته وحمايته. من هنا، تأتي اجتماعات كليرفيلد مع القيادات السياسية، وقد شملت اليوم رئيسَي مجلس النواب والحكومة نبيه بري ونواف سلام، قبل لقاء يرتقب أن يعقده مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل.

وعلى رغم الحديث عن تقدم في ملف "المناطق التجريبية"، فإن آلية التحقق من سحب السلاح وتكوين الهيئة الدولية المشرفة عليها ما زالت تشكل العقدة الأساسية، إذ لم يتم التوصل حتى الآن إلى اتفاق نهائي حول تفاصيلها أو الدول المشاركة فيها، مع استمرار النقاش حول أسماء مثل بريطانيا، إيطاليا، سويسرا، كندا، وأذربيجان، وفق معلومات "المدن"، بهدف فتح الباب أمام جولة روما المقبلة. ويعكس قول السفير الأميركي ميشال عيسى "قولوا للحزب يسلّم سلاحه، وبيوقف كلّ شيء" طبيعة الضغط الممارس سياسياً، حيث تربط واشنطن وتل أبيب وقف الاعتداءات الميدانية بإنهاء أي وجود مسلح في الجنوب.

​و​تُظهر تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس والميدان المشتعل أن الهدف الأساسي لتل أبيب في هذه المرحلة هو تثبيت السيطرة الميدانية الكاملة لفرض الشروط من موقع القوة. وتُشكل مرتفعات علي الطاهر ذروة استراتيجية في المخطط الإسرائيلي. فالسيطرة عليها تسمح بكشف بصري وعسكري للمنطقة الممتدة من النبطية والبقاع الغربي وصولاً إلى أطراف جبل الشيخ. والاستعدادات الإسرائيلية متواصلة لخوض معركة علي الطاهر، عبر القصف المدفعي والفسفوري والدفع بغارات مكثفة، بالتوازي مع تنفيذ استراتيجية "الأرض المحروقة" وتدمير الأنفاق والقرى، كما حدث في المنصوري ومركبا والخيام، لإجبار الجانب اللبناني على القبول بالواقع الميداني الجديد.

ولذلك، الرهان الوحيد معقود على حراك كليرفيلد، الذي سيرسم الخيط الفاصل بين خيارين: إما التوصل إلى آليات تقنية وميدانية مقبولة لوقف النار وتفعيل دور الجيش اللبناني بدعم دولي، وإما الذهاب نحو انفجار عسكري أكبر تستغل فيه إسرائيل التغاضي الدبلوماسي لإكمال سيطرتها على مرتفعات علي الطاهر ونقاط استراتيجية أخرى ربما، وفرض واقع أمني جديد يسبق أي جولة مفاوضات آتية.

غطاء سياسي قبل الانتقال إلى الميدان

وتشير مصادر عسكرية لـ"المدن" إلى أن لقاءات كليرفيلد مع بري وسلام يُتوقع أن تفضي إلى نتائج عملية، على اعتبار أن تنفيذ أي خطوة ميدانية يحتاج أولاً إلى قرار سياسي وغطاء يسمح بتحويل التفاهمات إلى إجراءات قابلة للتنفيذ.

وفي هذا الإطار، أكد بري، بعد لقائه الوفد العسكري الأميركي، أن مفتاح الاستقرار يبقى في إلزام إسرائيل بوقف الحرب والانسحاب إلى الحدود الدولية، مشيراً إلى استمرار الخروقات والاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، وخصوصاً في الجنوب.

أما السفير الأميركي ميشال عيسى، فقال إن زيارة كليرفيلد تهدف إلى توضيح الأمور وشرح حقيقة ما يجري على الأرض، مؤكداً أن المفاوضات ستُستكمل، من دون أن يكون قد حُدد حتى الآن موعد للجولة المقبلة. وفي الوقت نفسه وصف عيسى أجواء مفاوضات روما بالإيجابية، ما يعكس استمرار المسار التفاوضي رغم بقاء الملفات الأساسية من دون حسم.

آلية التحقق لا تزال معلقة

وتبقى آلية التحقق إحدى أكثر النقاط تعقيداً في المفاوضات. فبحسب مصادر "المدن"، لم يُتوصل بعد إلى صيغة نهائية تحدد طبيعة هذه الآلية أو تركيبة الجهة التي ستشارك فيها، فيما يستمر البحث في الأسماء والدول التي يمكن أن تتولى دوراً في عملية التحقق.

وتلفت المصادر إلى أن التقدم في ملف المناطق النموذجية يواجه بدوره عقبات ميدانية، وفي مقدمها استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، وهي نقطة نقلها الجيش اللبناني بوضوح إلى الجانب الأميركي، باعتبار أن استمرار العمليات العسكرية والتدمير يجعل تنفيذ أي ترتيبات أمنية جديدة أكثر صعوبة.

ويكتسب اللقاء المرتقب بين كليرفيلد وقائد الجيش العماد رودولف هيكل أهمية إضافية من هذه الزاوية، إذ يُنتظر أن ينتقل البحث بعد الاجتماعات السياسية إلى التفاصيل العسكرية وآليات التنفيذ على الأرض.

الجنوب تحت ضغط ميداني متصاعد

وفي موازاة الحركة السياسية، شهد الجنوب تصعيداً إسرائيلياً واسعاً توزع بين القصف والغارات والتفجيرات وعمليات التجريف.

فقد نفذت القوات الإسرائيلية تفجيرين في مدينة بنت جبيل وبلدة كونين، فيما تعرضت زوطر الشرقية لقصف مدفعي، واستمر الجيش الإسرائيلي في تجريف منازل داخل بلدة بني حيان، بعد تنفيذ تفجير فيها.

كما استهدف القصف المدفعي وادي زبقين وبلدة حداثا، بالتزامن مع عمليات تمشيط وتحليق مكثف للمسيّرات الإسرائيلية على علو منخفض فوق المنصوري والقليلة والحنية والمعلية والساحل الجنوبي وصولاً إلى صور.

ونفذ الجيش الإسرائيلي أيضاً تفجيراً كبيراً في بلدة مركبا، في وقت بقيت فيه مناطق واسعة من الجنوب تحت ضغط العمليات العسكرية المتواصلة.

المنصوري تحت الغارات والتفجيرات

وكانت بلدة المنصوري من أكثر المناطق تعرضاً للتصعيد خلال الساعات الأخيرة، إذ شن الطيران الحربي الإسرائيلي سلسلة غارات منذ ساعات الفجر، بلغ عددها ثماني غارات.

وتزامنت الغارات مع إلقاء المسيّرات الإسرائيلية مواد وعبوات متفجرة فوق البلدة، في تكرار لهذا الأسلوب للمرة الخامسة، فيما سُمعت أصوات الانفجارات في مناطق واسعة وصولاً إلى مدينة صور.

ويعكس ما يجري في المنصوري استمرار سياسة الضغط الميداني بالتوازي مع المسار التفاوضي، بحيث تبقى الوقائع العسكرية على الأرض عاملاً مباشراً في رسم حدود أي اتفاق سياسي أو أمني محتمل.

علي الطاهر مجدداً في قلب التصعيد

وفي مؤشر إضافي إلى استمرار التركيز الإسرائيلي على مرتفعات علي الطاهر، ألقت مسيّرة إسرائيلية مواد متفجرة على إحدى التلال في كفرتبنيت.

ويأتي هذا التطور في ظل القصف المتكرر الذي تتعرض له المنطقة، وفي وقت باتت فيه علي الطاهر إحدى أكثر النقاط حساسية في المواجهة، بالنظر إلى أهميتها العسكرية والجغرافية، وإلى ارتباطها بالمفاوضات الجارية حول انتشار الجيش اللبناني ومستقبل الوجود المسلح في المنطقة.

وهكذا، يتحرك المساران السياسي والعسكري بصورة متوازية: كليرفيلد يحاول بلورة شروط الانتقال إلى التنفيذ، فيما تواصل إسرائيل رفع مستوى الضغط على الأرض، ما يجعل نجاح مهمته مرتبطاً ليس فقط بالتوصل إلى صيغة تقنية لآلية التحقق والمناطق النموذجية، بل أيضاً بمدى القدرة الأميركية على لجم التصعيد ومنع الميدان من تجاوز المفاوضات.