المصدر: المدن
الكاتب: إيلي الحاج
الأربعاء 8 نيسان 2026 13:32:31
إعلان رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، بُعيد بدء سريان وقف النار مع إيران، أن الاتفاق لا يشمل لبنان، يعني بوضوح موارب أن إيران باعت "حزب الله" لقاء تجنيبها الضربات القيامية التي توعدها بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب. والأدق، أن طهران حاولت ربط لبنان بالاتفاق الذي عقدته مع واشنطن لكنها لم تنجح، وفي حسابات باردة تخلت عنه.
لا يكفي لحجب هذا الواقع بيان رئيس وزراء باكستان، شهباز شريف، أن اتفاق وقف النار يشمل كل الجبهات بما فيها لبنان. فهذا تمويه إيراني ودبلوماسي باكستاني لحقيقة الوضع، بدليل أن الغارات الإسرائيلية لم تتوقف في الجنوب والبقاع الغربي، ولم نقرأ أي رد فعل أو موقف من طهران أو تلويح بتعطيل الاتفاق.
ربما تريد إيران الإيحاء أننا أمام تفسيرين مختلفين تماماً للاتفاق، أحدهما تشمل بموجبه الهدنة لبنان والآخر تستثنيه. في هذه الحال يكون على طهران الإعلان أن هذا خداع إسرائيلي-أميركي وتملص وخرق غير مقبول للهدنة من اللحظة الأولى مما يؤدي تلقائياً إلى إسقاطها. ولكن لا، فالرئيس ترامب نشر على صفحته في "تروث سوشال" بيان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وجاء فيه: "في حال توقّف الهجمات ضد إيران، فإن قواتنا المسلحة القوية ستوقف عملياتها الدفاعية". لم يربط عراقجي في بيانه بين توقف الهجمات على إيران وتوقف الهجمات على لبنان.
يعني ذلك عملياً أن الضربات انتهت على إيران بعد موافقة الرئيس الأميركي ترامب، في الدقائق الأخيرة، على هدنة الأسبوعين، وبعدما قدمت طهران بادرتي حسن نية: حرية الملاحة في مضيق هرمز، وعدم التوقف عند المضي في ضرب الذراع العسكري للجمهورية الإسلامية في لبنان.
كانت رشقات نارية قد أطلقت في الضاحية الجنوبية عند الفجر ابتهاجاً بإعلان الاتفاق على وقف النار. يبدو أن بعضهم في "حزب الله" خُيّل إليه أن الحزب سوف يمكنه ادعاء تحقيق انتصار إلهي آخر، رغم الخسائر الهائلة التي أنزلتها حرب إسناده الثانية في صفوف اللبنانيين، والتي طالت البشر والحجر، وفوقها مآسي التهجير والنزوح، وأيضاً مقتل قيادات هذا الحزب من الصف الأول والثاني وحتى الثالث.
وبناءً على الاعتقاد بأن إيران لا تتخلى عن "حزب الله" ولا تتركه تالياً، ومعه بيئته، لمصيره أمام آلة الوحش الإسرائيلي، حزمت ألوف من عائلات اللبنانيين النازحة أمتعتها وبؤسها في سيارات وشاحنات استعداداً للعودة إلى أرضها ومنازلها في الجنوب، خارج شريط الأمر الواقع الحدودي، حيث جرف الجيش الإسرائيلي البيوت والمنشآت ونسفها، على نسق غزة.
وانطلقت عائلات فعلاً عند ساعات الصباح الأولى من بيروت وصيدا في اتجاه عمق الجنوب، وسرعان ما لاحقتها مناشدات "الهيئة الصحية الإسلامية" وسواها للتمهل لأن الغارات الإسرائيلية والاغتيالات تتواصل كأن شيئاً في إسلام آباد لم يكن.
ومع بدء تطبيق الهدنة على إيران، بدا واضحاً أن مبعث الخشية الكبرى للبنانيين هو احتمال أن يثبت الجيش الإسرائيلي احتلاله في النقاط التي وصل إليها في الجنوب، في مقابل بقاء سلاح "حزب الله" بعيداً عن هذه الحدود، بعمق خمسة أو ثمانية كيلومترات.
وهناك من يقولون إن "الحزب" وصل إلى المرحلة الأخطر في تاريخه، لأن رأسه بات موضوعاً على طاولة التفاوض، وصولاً إلى حلول نهائية للقضايا التي تسببت باندلاع الحرب. وهو في المقابل يمنّي النفس بتولي التفاوض مع إسرائيل بصفته الجهة التي تقاتلها وليست الدولة اللبنانية. وقد يلقى استجابة من وراء الحدود الجنوبية حيث تعلو أصوات سياسيين وأهالي جنود خائفين على أولادهم يرددون أن نزع سلاح التنظيم الموالي لإيران غير ممكن من دون احتلال كل لبنان، وهذه عملية مكلفة وغير واردة في الحسابات الراهنة.
يستدعي هذا الوضع كله بإلحاح شديد الدولة اللبنانية إلى التعجيل في تأمين ظروف عقد مفاوضات في أسرع وقت مع إسرائيل من خلال وفد سياسي-عسكري، وعدم التوقف عند التوزيعات والمراجع الملية، لإنهاء الأعمال العسكرية واسترداد الأرض المحتلة بعودة الجيش اللبناني إلى الجنوب، ليكون وحده القوة المسلحة فيه، وإطلاق أكبر حملة دعم دولي وعربي لعودة الأهالي إلى قراهم من دون تأخير، وإلا فإن مستنقعاً مرعباً من العنف والدمار والفقر ينتظر اللبنانيين. ولا هوادة إن أضاع المسؤولون اللحظة السانحة وتناسوا أن "حزب الله" الضعيف يمكن أن يكون أخطر على لبنان من "حزب الله" القوي.