شائعات وتلاعب مكشوف بسعر الدولار يستهدف استنزاف المدخرات

حال من الإرباك تسود بين اللبنانيين والعديد من الصرّافين، مردها إلى توقعات بانخفاض سعر صرف الدولار عقب خروج رئيس الجمهورية ميشال عون من القصر الرئاسي مع انتهاء ولايته بعد أيام قليلة. ويعزز هذه النظرة تقنين بعض الصرّافين عمليات شراء الدولارات في محاولة منهم لتوفير سيولتهم بالليرة لشراء الدولارات بعد انخفاض سعر الصرف.

في المقابل ينشط عدد من كبار الصرّافين على خط شراء الدولارات بشكل مبالغ فيه. هذا المشهد يؤكد الشكوك، بأن خطة ما يتم العمل عليها للتأثير على سعر صرف الدولار في الفترة المقبلة. قد تستهدف استنزاف مدخرات المواطنين.

وبصرف النظر عما يُحاك في كواليس الصرّافين ومصرف لبنان، يبدو واضحاً انه يتم تحضير خطة للتأثير على سعر الصرف بشكل مفاجئ، على غرار ما حصل مرات عديدة خلال الاشهر الماضية. وهذه الحالة ترقى إلى مستوى الجريمة، إذ أن ضحاياها بغالبيتهم هم من المواطنين لاسيما صغار المدخرين منهم.

 

ترويج متعمد للشائعة

يتم الترويج بشكل متعمّد ومخطط له لانخفاض كبير بسعر صرف الدولار نهاية عهد رئيس الجمهورية. تؤثر الشائعات على الناس بشكل واضح وتدفع الكثيرين منهم إلى بيع دولاراتهم بسعر صرف مرتفع يفوق 40 ألف ليرة، تجنباً للوقوع بخسائر بعد انخفاض السعر. هذه الصيغة يردّدها الكثيرون بشكل يومي، ينساقون بعملية الترويج الإعلامي للانخفاض ويتسلّحون بنصائح صرّافين من هنا وهناك.

لكن وبقليل من التدقيق، تتضح الصورة بأن الشائعات تخدم مخطط ما، وتأتي توقعات انخفاض سعر صرف الدولار في سياق مخطط محتمل. لاسيما أن أي من المؤشرات الاقتصادية القائمة في الفترة الأخيرة لم يتغيّر. كما لم يطرأ أي تقدّم على مسار الحلول للأزمات المالية والاقتصادية القائمة. لا بل أكثر من ذلك، استجدت معطيات أكثر سوداوية ترتبط باحتمال دخول البلد في فراغ في منصب رئاسة الجمهورية وفراغ حكومي مرافق. ولا ننسى بدء العد العكسي لتطبيق الدولار الجمركي الجديد عند 15000 ليرة نهاية الشهر الحالي. وما يرافق كل ذلك من تضخم هائل بالكتلة النقدية بالليرة منذ نحو شهر فقط.

تلك العوامل كافية لدفع الدولار إلى مزيد من الارتفاع، إن بشكل مستمر أو متقطع.

وهذا يعني أن سعر صرف الدولار، وإن نجح مصرف لبنان ومعاونيه من الصرافين والتجار، في خفضه في الأيام المقبلة، يبقى من المستبعد أن يدوم ذلك طويلاً. ما يعيدنا بالذاكرة إلى الأشهر السابقة، حين انخفض سعر صرف الدولار من محيط 30 ألف ليرة إلى محيط 20 ألف ليرة مع بداية العام الحالي، وانخفض خلال شهر أيار الفائت من نحو 39 ألف ليرة إلى ما دون 30 ألفاً. ففي كلا الحالتين عاد الدولار وارتفع سعره بشكل سريع. وبلغ أرقاماً قياسية.

بالمحصلة، لم ينخفض سعر الصرف بشكل مفاجئ إلا ليرتفع بعدها. ويحقق تالياً الأرباح والمكاسب للصرافين وتجار العملة. وبالنظر إلى المسار العام للدولار فإنه مستمر بالتصاعد من العام 2019 كاسراً مستوى 1515 ليرة وحتى اللحظة، مسجلاً رقماً قياسياً عند 40700 ليرة.

 

أجواء الصرافين

يدور بين الصرّافين أن قلة منهم يساهمون بالترويج لشائعة انخفاض سعر الصرف في الأيام المقبلة، ويشترون الدولارات بأسعار مرتفعة، ويسأل أحد الصرافين "لماذا يشتري الصراف الفلاني مئات الآلاف من الدولارات وهو العارف (حسب ما يدّعي) بأن سعر الدولار سينخفض؟"

سؤال الصرّاف يعكس شكوكه بتواطؤ زميل له بالترويج لشائعة ستدر عليه الأرباح. خصوصاً أن عدداً من الصرافين الكبار يشترون الدولارات لصالح مصرف لبنان ويستفيدون من نسب مرتفعة من الفوائد. فهؤلاء من أوائل المستفيدين والمساهمين بانخفاض سعر الصرف بشكل مفاجئ. وهم من يقود عملية الترويج لانخفاض سعر الصرف في الأيام القليلة المقبلة وتثبيته عند مستويات متدنية.

شريحة أخرى من الصرّافين غير المنخرطين بعلاقة مباشرة مع مصرف لبنان أو مع كبار تجار العملة، يتردّدون في بيع الدولارات في المرحلة الراهنة، ومنهم من يقنّن عمليات البيع في محاولة للحفاظ على سيولته بالليرة، أملاً في شراء الدولارات بأسعار مخفّضة في حال صحّت شائعة انخفاض سعر الصرف بشكل مفاجئ.

من يواكب هذه الأجواء من التلاعب المكشوف بسوق العملة، يخلص إلى نتيجة واحدة، هي التريّث في بيع الدولارات إلا ضمن سقف الحاجة اليومية. بمعنى آخر، لا جدوى من بيع الدولارات خوفاً من انخفاض السعر. فالأجواء لا تطمئن إلى انخفاض فعلي للدولار، أما الانخفاض المفاجئ فيما لو صحت الشائعات، فإنه سيكون مؤقتاً، حسب ما يرجّح العديد من خبراء الاقتصاد.