المصدر: النهار
الكاتب: سلوى بعلبكي
الأربعاء 19 آب 2026 17:22:05
أعاد توجه العراق إلى شطب أصفار من عملته إحياء فكرة كانت مطروحة في لبنان منذ سنوات، إثر تضخم الأرقام النقدية بفعل انهيار سعر الصرف، وبرزت في حينه اقتراحات لحذف صفر أو أكثر من الليرة. فهل تعيد السلطات اللبنانية التفكير في المشروع؟
حتى الآن يبدو أن الفكرة مستبعدة في ظل تحضيرات مصرف لبنان لإصدار فئات نقدية أكبر، تبدأ من 500 ألف ليرة وتصل إلى مليون ومليونين و5 ملايين ليرة، بهدف تسهيل التعاملات النقدية في ظل ارتفاع حجم المبالغ المتداولة بالليرة. ويتطلب هذا الإصدار، بحسب مصادر مالية ونقدية، فترة تحضيرية قد تصل إلى نحو سنة.
وفي الانتظار، يبقى النقاش حول شطب الأصفار مفيداً لفهم ما يمكن أن تحققه هذه الخطوة وما لا يمكنها تحقيقه. فهي في الأساس، عملية تقنية لإعادة تسمية الوحدة النقدية، وليست علاجا للتضخم أو وسيلة لرفع قيمة العملة. فإذا حذفت 3 أصفار مثلا، تتحول المليون ليرة القديمة إلى ألف ليرة جديدة، لكن السلعة التي كانت قيمتها مليون ليرة تصبح أيضاً بألف ليرة، وكذلك الرواتب والودائع والديون والعقود، بمعنى آخر، القيمة الحقيقية للعملة لا تتغير.
فوائد محدودة ومخاطر أكبر
خاضت دول عدة، من تركيا وغانا إلى البرازيل وبولندا ورومانيا وزيمبابوي، تجارب مختلفة في حذف الأصفار، ونجحت الخطوة عندما جاءت ضمن مسار استقرار اقتصادي ونقدي، فيما بقيت في تجارب أخرى مجرد تغيير شكلي عندما لم تعالج أسباب التضخم وانهيار العملة.
في الحالة اللبنانية، يمكن شطب الأصفار، إذا نفذ في ظروف اقتصادية مستقرة، أن يبسّط الأسعار والحسابات والبيانات المالية، ويخفف ضخامة الأرقام في المعاملات النقدية والإلكترونية. وقد تكون له آثار نفسية إيجابية إذا جاء بعد استعادة الاستقرار وبدء استعادة الثقة بالعملة الوطنية.
لكن هذه الفوائد تبقى محدودة. فالاقتصاد لا يصبح أقوى، والليرة لا ترتفع قيمتها، ولا تتحسن القدرة الشرائية للمواطن بمجرد تغيير الوحدة النقدية.
في المقابل، تبرز مخاطر عدة، أبرزها احتمال إعطاء انطباع مضلل بأن قيمة الليرة تحسنت، فيما تكون قوتها الشرائية على حالها. وقد يستغل بعض التجار الانتقال إلى العملة الجديدة لتقريب الأسعار إلى الأعلى، فتتراكم زيادات صغيرة لتصبح مؤثرة على مستوى الاقتصاد.
وتفرض العملية كذلك كلفة مالية ولوجيستية كبيرة، تشمل إصدار الأوراق النقدية وسحبها، وتحديث الأنظمة المصرفية والمحاسبية وأجهزة الصراف الآلي وأنظمة الدفع الإلكتروني، وإعادة صياغة العقود والفواتير والرواتب والضرائب والرسوم، إلى جانب حملة توعية واسعة لمنع الأخطاء والاستغلال.
شطب الأصفار لا يعيد الثقة!
يرى الخبير الاقتصادي كمال حمدان أن شطب الأصفار، في غياب إصلاحات حقيقية، يبقى إجراء تجميليا إلى حد كبير. فالمشكلة اللبنانية "لا تكمن في عدد الأصفار، بل في انهيار وظائف العملة الوطنية، إذ إن الليرة لم تعد تؤدي الدور نفسه في التسعير والادخار والتعاملات الاقتصادية، فيما ازداد استخدام الدولار في قطاعات واسعة".
وعليه، فإن شطب الأصفار قد يجعل التعامل بالليرة أكثر سهولة، لكنه لا يعيد إليها الثقة. فاستعادة هذه الثقة تتطلب معالجة الأسباب التي أدت إلى انهيارها، لا إعادة ترتيب الأرقام على الأوراق النقدية.
وتكمن الخطورة الأساسية في تنفيذ شطب الأصفار قبل معالجة الاختلالات التي أدت إلى تراجع قيمة العملة. فإذا استمر التضخم أو عاد سعر الصرف إلى التدهور، ستبدأ الأرقام بالارتفاع مجدداً، وقد تعود الأصفار المحذوفة، لتصبح العملية مجرد تغيير شكلي.
فئات أكبر بعد سنة؟
من الضروري التمييز بين شطب الأصفار وإصدار فئات نقدية أكبر. فالفئات التي يحضّر لها مصرف لبنان، وهي 500 ألف ليرة ومليون ومليونان و5 ملايين ليرة، لا تعني تغيير قيمة العملة أو إعادة تسميتها، بل تستجيب لارتفاع حجم المبالغ المتداولة بالليرة وتسهّل استخدامها في المعاملات النقدية.
وتحتاج عملية إصدار الفئات الجديدة إلى فترة تحضيرية قد تصل إلى نحو سنة، نظراً إلى ما تستلزمه من ترتيبات تقنية وأمنية ولوجيستية. توازياً، يستمر التوجه نحو تعزيز الدفع الإلكتروني وتوسيع استخدام وسائل الدفع الحديثة، بما يخفف الاعتماد على النقد ويرفع كفاءة النظام المالي.
أما إذا قرر لبنان مستقبلا شطب الأصفار، فسيكون أمام ورشة مؤسساتية واسعة تشمل تحديد نسبة التحويل، وإصدار الأوراق الجديدة وسحب القديمة تدريجا، وتحديث الأنظمة المصرفية والمحاسبية، وإعادة احتساب الرواتب والضرائب والقروض والعقود، فضلا عن وضع آليات واضحة لاستبدال الأموال والرقابة عليها بما يراعي متطلبات مكافحة تبييض الأموال.
الأولوية لاستعادة الثقة
في ظل الظروف الأمنية والاقتصادية والمالية والاجتماعية الصعبة التي يعيشها لبنان، تبدو الأولوية للمحافظة على الاستقرار النقدي والمالي وتعزيزه، لا إدخال تغيير نقدي كبير لا يضيف قيمة اقتصادية مباشرة.
فالمعركة الحقيقية ليست مع عدد الأصفار على الأوراق النقدية، بل مع فقدان الثقة الذي أصاب الاقتصاد والقطاع المالي والعملة الوطنية. واستعادة هذه الثقة تبدأ باستقرار أمني وسياسي وعودة النشاط الاقتصادي والاستثماري، وتتطلب إصلاحات مالية ومصرفية حقيقية، في مقدمها إعادة هيكلة القطاع المصرفي وإقرار مسار عادل وواقعي لاستعادة أموال المودعين تدريجاً، توازياً مع إصلاح المالية العامة.