فتح السوق الخليجية بات وشيكا والقطاع الزراعي صامد

لا يختلف اثنان على أن الزراعة اللبنانية صمدت خلال السنوات الأخيرة ما بين الانهيار المالي والمتغيرات المناخية القاسية والضعف البنيوي المتراكم وتعثر أسواق التصدير، وقد بقيت الحقول تنتج والمزارعون يقاومون. واليوم، مع تحسن المناخ السياسي الإقليمي، يبرز ملف عودة الصادرات للخليج بوصفه شرياناً حيوياً لإنعاش هذا القطاع.

في هذا الحوار مع "اندبندنت عربية" يتحدث وزير الزراعة الدكتور نزار هاني عن واقع القطاع وخطة الوزارة العشرية وإجراءات حماية الإنتاج المحلي والتعاون مع سوريا، والأهم: آفاق فتح الأسواق السعودية والخليجية أمام المنتجات اللبنانية.

لا يزال القطاع الزراعي في لبنان من بين القطاعات النادرة التي صمدت في وجه الانهيار المالي والاقتصادي الممتد، على رغم تحديات تراجع معدلات الأمطار والتغيرات المناخية وتعقيدات التصدير. ومع بروز مؤشرات إيجابية على المستوى الإقليمي عاد الحديث عن إعادة فتح الأسواق الخليجية أمام المنتجات اللبنانية، بالتوازي مع جهود وزارة الزراعة لتحديث هذا القطاع من خلال التحول الرقمي وتشديد معايير الجودة ووضع خطة استراتيجية تمتد حتى عام 2035.

وبعد أعوام من الأزمات المتتالية التي عصفت بلبنان، من الانهيار المالي الذي وقع عام 2019 إلى تداعيات الحرب عام 2023، بقيت الزراعة أحد آخر خطوط الدفاع عن الاقتصاد الوطني. الحقول استمرت في الإنتاج، والأسواق المحلية لم تفرغ من الخضراوات والفاكهة، فيما ظل المزارع اللبناني يقاوم بموارد محدودة وإمكانات متواضعة. لكن القطاع، على صموده، لا يزال يواجه تحديات كبرى، أبرزها تغير مناخي حاد، بنية تحتية قديمة، ضعف في التنظيم والرقابة، وتعثر في أسواق التصدير، خصوصاً إلى دول الخليج، الذي يشكل الرئة الأهم للصادرات الزراعية اللبنانية.

للإضاءة على كل هذه الملفات حاورت "اندبندنت عربية" وزير الزراعة اللبناني الدكتور نزار هاني، ومعه تحدثنا عن واقع الزراعة اليوم، أبرز التحديات البنيوية وخطط التكيف المناخي وإجراءات حماية الإنتاج المحلي والتعاون مع سوريا ومسار إعادة فتح الأسواق الخليجية.

واقع القطاع الزراعي: صمود ونمو على رغم الانهيار

نسأل الوزير بداية عن تقييمه لواقع القطاع الزراعي اليوم بعد سنوات الانهيار الاقتصادي، وهل ما زال قادراً على الصمود؟ فيجيب من دون تردد "القطاع الزراعي صامد. وتبقى الزراعة نبض الأرض والحياة، وتبقى هي مصدر الغذاء الأول، وتبقى الأمان في موضوع الأمن الغذائي. واليوم الزراعة جزء من سيادة الدول. فالدول التي لا تملك سيادة غذائية ولا تستطيع تأمين الغذاء الذي يحتاج إليه شعبها تكون سيادتها منقوصة".

ويضيف أن القطاع الزراعي في لبنان لم يكتف بالصمود، بل حقق نمواً، لافتاً إلى أنه "خلال السنوات الخمس الأخيرة، وعلى رغم كل التحديات، حقق القطاع نمواً يقارب 15 في المئة، وهذا دليل على حيويته وقدرته على الاستمرار".

تحديات المناخ والبنية التحتية

لكن هذا الصمود لم يكن سهلاً، وهنا يعدد الوزير أبرز التحديات التي واجهت القطاع، وفي مقدمها التغيرات المناخية، كاشفاً عن أن "العام الماضي لم تهطل الأمطار في لبنان سوى بنسبة 40 في المئة من المعدل الطبيعي، وهذا ترك أثراً كبيراً على كل القطاعات، لكنه كان أشد وقعاً على القطاع الزراعي". ومن هنا يرى أن "الحل يبدأ من تطوير البنية التحتية "لنتمكن من التكيف مع التغيرات المناخية، علينا تطوير البنية التحتية الزراعية، وجمع كميات المياه المتساقطة واستخدامها بصورة رشيدة، وتطوير أنظمة الري، وتدريب المزارعين، وتحديث المعدات، إضافة إلى أن مستقبل الزراعة هو الانتقال إلى الزراعة الحديثة المعتمدة على التقنيات الجديدة، لكن ذلك يتطلب تدريباً وإمكانات". 

عن أبرز نقاط الضعف البنيوية التي ظهرت منذ تسلمه الوزارة، يوضح هاني أن المشكلة لا تخص القطاع وحده، بل ترتبط بإدارة الدولة ككل، إذ هناك "نقاط ضعف بنيوية مرتبطة بإعادة هيكلة الدولة. وزارة الزراعة جزء من هذه الدولة، والهيكلية التي نعمل وفقها اليوم عمرها نحو 35 سنة". ويكشف عن أن "الوزارة بدأت فعلياً مشروع إعادة الهيكلة، الذي يعد جزءاً من عملية أوسع لإصلاح القطاع العام"، شارحاً أن "وزارة الزراعة إدارة كبيرة تضم أربع مديريات أساسية، وهي المديرية العامة للزراعة ومديرية التعاونيات ومديرية المشروع الأخضر ومصلحة الأبحاث العلمية الزراعية، إضافة إلى برامج متعددة، مما يجعل إعادة التنظيم ضرورة لتطوير الأداء".

بين دعم المزارع الصغير وتشجيع الاستثمار

عند سؤاله عن الأولويات الفعلية للوزارة: هل هي دعم المزارع الصغير أم تشجيع الاستثمار الزراعي الكبير؟ يرد وزير الزراعة "المطلوب هو التوازن. نحن نعمل اليوم على إنهاء الخطة الوطنية العشرية للزراعة 2026–2035، التي تقوم على ثلاثة أعمدة، وهي: المزارعون والبيئة والطبيعة والازدهار، فيما يمكن للزراعة أن تؤدي دوراً محورياً وأن تسهم إسهاماً كبيراً في تطوير الاقتصاد. وانطلاقاً من ذلك، نهدف إلى تحقيق توازن يقوم على الحفاظ على المزارعين الصغار ودعمهم وتشجيعهم، وجعل ممارساتهم الزراعية أكثر استدامة، في إطار خطة شاملة لتنمية الأرياف والمناطق البعيدة من المدن. وفي الوقت نفسه، تعمل وزارة الزراعة، ضمن الخطة الوطنية للزراعة، على تحفيز الاستثمارات الزراعية، حيث من المقرر عقد مؤتمر للاستثمار الزراعي في مايو (أيار) المقبل، بهدف تشجيع المستثمرين اللبنانيين والعرب والشركات على الاستثمار في هذا القطاع، بما يسهم في زيادة حجم الإنتاج، وتحسين نوعيته، واعتماد التقنيات الزراعية الحديثة".

وحول ما إذا كانت هناك خطة زراعية وطنية واضحة أم أن المعالجات ما زالت ظرفية، يؤكد هاني "لدينا خطة عشرية واضحة في كل المجالات: البنية التحتية وبناء قدرات المزارعين وتحديث القطاع ومراقبة الجودة". ويشير إلى إنجاز مهم تحقق أخيراً في القطاع الزراعي، وهو "'سجل المزارعين'، الذي يعد مدخلاً لرقمنة القطاع"، كاشفاً عن أن "عدد المزارعين المسجلين ارتفع خلال خمسة أشهر بنسبة 40 في المئة، ليصل إلى 47 ألف مزارع حالياً، في حين تقدر الوزارة عدد المزارعين الناشطين بنحو 120 ألفاً". وقال "هذا السجل يشكل بداية تطبيق مفهوم 'التتبع الكامل'، بحيث يمكن متابعة المنتج من المزرعة إلى المستهلك، مما يضمن جودة أعلى وشفافية أكبر".

التغير المناخي: الخطر الأكبر

بالانتقال إلى ملف التغير المناخي يرى الوزير أنه "التحدي الأكبر للزراعة في لبنان والعالم، بخاصة أن كل التقارير تتوقع أن تتجه المنطقة نحو سنوات أكثر جفافاً وحرارة". ويشرح أن "من هنا تنطلق أهمية الخطة الوطنية التي يجري العمل عليها، والتي يرتكز عنوانها الأساس على التكيف مع التغيرات المناخية. وفي هذا الإطار، تبرز ضرورة تحديث البنية التحتية الزراعية، ولا سيما في ظل تراجع كميات المياه، من خلال تحسين جمع الموارد المائية وإدارتها وترشيد استخدامها، واعتماد أنظمة ري حديثة وأكثر كفاءة. وأيضاً تشمل هذه المقاربة تحديث أنواع المحاصيل المزروعة، بالتعاون مع مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية والجامعات ومراكز الأبحاث، بهدف إنتاج بذور وشتول قادرة على التكيف مع الظروف المناخية السائدة في مختلف المناطق اللبنانية. ويأتي ذلك في سياق تطوير القطاع الزراعي وجعله أكثر ربحية، بما يوفر للمزارعين دخلاً كافياً يتيح لهم الاستمرار في هذه المهنة الحيوية.

وفيما يتعلق بحماية المزارعين يوضح الوزير أن "الوزارة تتخذ إجراءات أسبوعية لإعادة النظر في أذونات الاستيراد والتصدير، بحيث يتم وقف استيراد أي محصول يتوافر محلياً، مما أعطى المزارعين قدرة على بيع محاصيلهم بأسعار أفضل".

نصل إلى السؤال الأبرز: أين وصلت الجهود لرفع الحظر عن الصادرات الزراعية اللبنانية إلى دول الخليج؟

يجيب الوزير: "نحن اليوم على خواتيم هذا الملف، والأجواء إيجابية جداً ونأمل أن نسمع تطورات إيجابية في القريب العاجل". ويضيف موضحاً "ملف رفع الحظر عن المنتجات اللبنانية الزراعية والصناعية أصبح في مراحله النهائية. لبنان قام بخطوات جبارة في مكافحة المخدرات وتهريب الكبتاغون، لا سيما إلى السعودية ودول الخليج، من خلال تعزيز الرقابة الشاملة عبر أجهزة المسح في المعابر البرية والبحرية على جميع المنتجات المصدرة. وأقر مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة مجموعة من الاتفاقات التي ينتظر توقيعها قريباً بين لبنان والسعودية، وسط مؤشرات واضحة إلى اطمئنان سعودي عبرت عنه وسائل الإعلام، مع التطلع إلى عودة السعوديين إلى لبنان وفتح الأسواق السعودية أمام المنتجات اللبنانية في أقرب وقت".

ويشدد هاني على أن الرقابة تغيرت جذرياً مقارنة بالسنوات السابقة، "نحن اليوم نقوم بفحوص دقيقة على كل المحاصيل التي تدخل لبنان، ونجد أن أكثر من 10 في المئة منها غير صالحة للاستهلاك"، مؤكداً أن "الوزارة تطبق المعايير نفسها على الصادرات اللبنانية، حيث تتم متابعة الإجراءات بصورة مستمرة بالتنسيق مع الدول المعنية، وإعادة النظر في أي إجراء عند رصد خلل، لضمان أن تكون المنتجات اللبنانية المخصصة للتصدير أو المعروضة في الأسواق المحلية ذات نوعية عالية ومراقبة وفق المعايير المعتمدة".

نسأله "هل لدى لبنان اليوم القدرة اللوجيستية والتصديرية للاستفادة الكاملة من أي رفع للحظر؟"، فيجيب "تتوفر لدى لبنان القدرات اللوجيستية والتصديرية اللازمة، وهي تشهد تحسناً تدريجاً مع مرور الوقت. فالصناعات الغذائية تتمتع بجهوزية كاملة ومتكاملة، فضلاً عن أن الصادرات الزراعية حاضرة في جزء كبير من المحاصيل، على أن ترتفع كميات إنتاج المحاصيل الأخرى فور فتح الأسواق المطلوبة أمامها. وفي هذا الإطار، جرى اتخاذ إجراءات واسعة بالتعاون مع شركات النقل البحري، شملت خفض كلفة الشحن إلى دول الخليج في ظل استمرار إغلاق الطرق البرية. كذلك بذلت جهود كبيرة لتعزيز النقل الجوي، حيث باتت تتوافر رحلات منتظمة ومتخصصة لنقل المنتجات الزراعية بين لبنان ودول الخليج".

التعاون مع سوريا سياسي وزراعي

من ناحية أخرى تطرق الوزير إلى التعاون الزراعي مع سوريا، موضحاً أن "سوريا سوق مهمة للمنتجات الزراعية اللبنانية نظراً إلى قربها الجغرافي، إذ يمكن الوصول إليها خلال نحو ساعة، فضلاً عن أهميتها التاريخية، حيث شكلت مثلاً السوق الكبرى لتصريف الموز اللبناني. وأخيراً، أوقفت سوريا العمل باتفاقية التيسير العربية لعامي 2025 و2026، ما أدى إلى فرض رسوم على المحاصيل الزراعية اللبنانية والصناعات الغذائية وغيرها من المنتجات، فيما التعاون القائم بين الجانبين اليوم هو لإعادة النظر في هذه الرسوم والعمل على خفضها، نظراً إلى أهمية سوريا ليس فقط كسوق تصدير، بل أيضاً كمعبر ترانزيت أساس للوصول إلى دول الخليج والأردن والعراق. وكشف عن أن "لبنان نجح في خفض تسعيرة رسوم الترانزيت من 10 إلى اثنين في المئة، ويعمل على تخفيض الرسوم المفروضة على المحاصيل اللبنانية، إذ لا يقتصر التعاون الزراعي بين الدول المتجاورة على التبادل التقني فحسب، بل يتعداه إلى تنظيم الإنتاج والتصدير، إذ إن طبيعة التحديات الزراعية، ولا سيما الأمراض العابرة للحدود مثل الحمى القلاعية وإنفلونزا الطيور، تفرض تنسيقاً وثيقاً بين الدول المجاورة، وبخاصة بين لبنان وسوريا في ظل امتداد الحدود البرية المشتركة بينهما".

وفي هذا الإطار يكشف الوزير عن أنه جرى تشكيل تسع لجان مشتركة تغطي مختلف القطاعات، بما في ذلك الثروة الحيوانية والثروة النباتية والاستيراد والتصدير وبناء القدرات، إضافة إلى تبادل المعلومات والخبرات. وقد منحت هذه اللجان مهلة ثلاثة أشهر لوضع خطة متكاملة للتعاون الزراعي مع سوريا، ويجري تواصل يومي مع وزير الزراعة السوري لتأمين التسهيلات اللازمة، لا سيما على صعيدي الاستيراد والتصدير. وبالتوازي، شكلت اللجنة الزراعية المشتركة مع مصر، في ظل حجم التبادل الزراعي الكبير بين البلدين، على أن تعقد قريباً لجان مماثلة مع الأردن والعراق ودول الخليج، وسائر الدول التي يستورد لبنان إليها منتجاته الزراعية.

وعن الانتقادات التي قالت إن التعاون بين سوريا ولبنان سياسي، وليس زراعياً، رد بالقول إن التعاون بدأ بالفعل على المستوى السياسي، وهو أمر طبيعي وضروري، إذ لا يمكن فصل أي تعاون بين دولتين متجاورتين عن الإطار السياسي العام. وقد تجلى ذلك في موافقة مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة على توقيع الاتفاقية المشتركة المرتبطة بتبادل السجناء، وهي خطوة إيجابية ومهمة. غير أن التعاون الزراعي يعد أول تعاون عملي ومباشر بين وزارتين في البلدين، وقد حظي بإشادة واضحة في مجلس الوزراء، إلى جانب دعوة جميع الوزراء إلى لقاء نظرائهم في سوريا وتوسيع مجالات التعاون. وأكد أن العلاقة بين لبنان وسوريا اليوم هي علاقة طبيعية بين دولتين جارتين، تجمعهما قضايا وملفات مشتركة عديدة تتطلب تنسيقاً وتعاوناً وثيقين لإدارتها بصورة أفضل، بعيداً من أي اعتبارات أخرى.

الاكتفاء الذاتي ودور الشباب

يؤكد هاني أن "لبنان قادر على تحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي إذا ما أعيد تنظيم القطاع بصورة صحيحة، فإنتاج الدواجن وصل مثلاً إلى مرحلة شبه اكتفاء ذاتي، بينما لا يزال قطاع الحليب في حاجة إلى تطوير كبير، إذ إن الإنتاج المحلي يغطي نحو 25 في المئة فقط من الحاجة".

وعن قدرة لبنان على مواجهة أي اضطراب في سلاسل التوريد، يطمئن الوزير إلى أن "لبنان مر بأزمات أصعب ونجح"، مشيراً إلى "تقارير دولية تصنفه من أكثر الدول قدرة على الاستجابة السريعة في مجال الأمن الغذائي".

نختم حديثاً معه عن الشباب وعالم الزراعة، ودورهم في هذا القطاع، فيقول إن "هناك كثيراً من رواد الأعمال والمبادرات المبتكرة التي يقودها الشباب، وهي نجحت داخل لبنان وخارجه"، داعياً إياهم إلى "مواصلة تطوير أفكارهم والانتظام بقوة في العمل الزراعي".