قبل فرض ضرائب جديدة.. فلتُحصّل الدولة ما لها

قد تبدو قضية الرسوم الجمركية المتأخرة على آلاف الأجهزة الخلوية مجرد ملف إداري عابر، لكنها في الواقع تفتح الباب أمام مسألة أكبر بكثير: كم من الإيرادات تضيع على الدولة بسبب ثغرات في الرقابة، وكم من الأموال يمكن تحصيلها من دون تحميل المواطن ضرائب ورسومًا جديدة؟

الخطوة التي بدأت بها وزارة الاتصالات، من خلال التدقيق في سجلات الأجهزة وملاحقة الرسوم غير المسددة، تستحق أن تُستكمل وأن تتحول من إجراء استثنائي إلى نهج دائم. فالدولة التي تبحث عن موارد إضافية لخزينتها، عليها أولًا أن تتأكد من أنها تحصل كامل الإيرادات المستحقة لها قبل أن تطرق باب المواطن من جديد.

المعادلة ببساطة: لا يجوز أن يدفع الملتزم ثمن المتفلّت. وفي بلد يرزح مواطنوه أصلًا تحت أعباء مالية واقتصادية كبيرة، يصبح فرض ضرائب جديدة أسهل الحلول وأقلها عدالة، فيما يبقى التحدي الحقيقي في سدّ منافذ التهرب والهدر وتعزيز الرقابة على حركة الاستيراد والتصريح والتسديد.

قضية الهواتف قد تكون مجرد نموذج. فالمطلوب ألا تتوقف عملية التدقيق عند قطاع أو نوع محدد من السلع، بل أن تمتد إلى مختلف المجالات التي يمكن أن تتسرب منها الإيرادات الجمركية والضريبية، وأن تُستخدم التكنولوجيا والبيانات لربط السجلات وكشف الفروقات وملاحقة المخالفات، بعيدًا عن الاستنسابية والمزاجية.

والأهم أن ضبط التهرب لا يعني استهداف المواطن، بل على العكس، يعني حماية المواطن الملتزم. فكل ليرة تُحصّل من حق الدولة هي ليرة يمكن أن تخفف الحاجة إلى استحداث رسم جديد، وكل باب يُغلق أمام التهرب هو مساحة إضافية أمام الدولة لتتنفس ماليًا من دون أن تمد يدها مجددًا إلى جيوب الناس.

لذلك، فإن الرسالة الأهم من هذا الملف يجب ألا تكون: "ادفعوا ما عليكم"، بل: "فلتحصّل الدولة أولًا ما لها".

فالإصلاح المالي الحقيقي لا يبدأ دائمًا بفرض ضريبة جديدة، بل يبدأ بإقفال الأبواب التي تتسرب منها الإيرادات. وعندما تصبح الرقابة شاملة، والتحصيل عادلًا، والتهرب مكلفًا، عندها فقط يمكن الحديث عن دولة تستوفي حقوقها من الجميع، بدل دولة تعوّض عجزها دائمًا من جيب الملتزم.