المصدر: المدن

The official website of the Kataeb Party leader
الاثنين 2 شباط 2026 19:26:43
فيما لبنان ضائعٌ في اتّخاذ قرارٍ بشأن إجراء انتخاباته النيابيّة في أيّار المقبل، أو إرجائها تقنيًّا، أو لعامٍ أو اثنَين، بدا اليوم في الإعلام الإسرائيليّ أنّ بنيامين نتنياهو يرغب أيضًا في تأجيل الانتخابات العامّة في إسرائيل. وليتمكن من فرض هذا التأجيل، ربّما يُفضِّل الدخول في حربٍ كبيرة، يُرجَّح وقوعُها مع إيران، ولكنّها قد تشمل لبنان أيضًا.
وثمّة مَن يقول إنّ نتنياهو، إذا شعر بأنّ التسوية في لبنان، من خلال تفاهماتٍ معيّنة تجريها حكومته مع الولايات المتّحدة، ستُعزِّز الهدوء الذي لا يمكن صرفُه في صندوق الاقتراع الإسرائيلي، فقد يُفضِّل "تدمير" شمال الليطاني على تفكيكه سلميًّا، ليُظهر أنّه استطاع إنهاء تهديد الصواريخ. وهذا هو الكابوس الذي يخشاه لبنان، وهو ما يدفع الرئيس جوزاف عون إلى البحث عن مخارج.
في المقابل، هناك مَن يرى أنّ طهران تُماطل مع واشنطن لتحسين شروط "الصفقة الكبرى"، وهي تُفضِّل كسب الوقت في لبنان أيضًا، وتأخير استحقاق نزع السلاح قدر الإمكان لعل معطيات جديدة تطرأ وتبدل قواعد الاشتباك. وهذا الانتظار يؤدي عملياً إلى بقاء لبنان في حالة "انكشافٍ أمنيّ" تامّ. فكلّ يومٍ يمرّ من دون تسوية، في ظل الضربات الإسرائيلية والحصار الأميركي، هو يوم "نزفٍ" إضافيّ للبنان اقتصاديًّا وأمنيًّا.
بهذا الإرباك يبدأ الأسبوع اللبنانيّ: استحقاقٌ انتخابيّ بلا موعدٍ ثابت، ومسارٌ أمنيّ يُدار بين النار والخرائط، وخطٌّ مع الأميركيّين تتحوّل فيه اللغة العسكريّة إلى سياسةٍ صريحة، وحكومةٌ تتلقّى ضرباتها من الشارع وبالحصار المالي معًا.
الانتخابات النيابيّة تنطلق تقنيًّا
انتخابيًّا، تُمسك وزارة الداخليّة والبلديّات اللبنانيّة بمفتاحٍ تقنيّ عنوانُه تحديث القيود، حيث أطلقت حملةً بعنوان "صوتكن صورة وطن" تدعو الناخبين من خلالها للتأكّد من بياناتهم بين 1 شباط و1 آذار. لكنّ البُعد التقنيّ لا ينجح في إخفاء الحقيقة السياسيّة الأوضح، الاستحقاق يُستعمل اليوم كديكورِ انتظامٍ مؤسّساتيّ، فيما قرارُ إجرائه أو تأجيله ما زال أسير التوازنات الداخليّة وحسابات الخارج، من المغتربين إلى التمويل إلى المناخ الأمنيّ المتحوِّل.
وهنا تحديدًا تتقدّم مفارقة المرحلة، الدولة تتصرّف كأنّ الانتخابات قائمة، والقوى السياسيّة تتصرّف كأنّها مُؤجَّلة. لذلك تبدو دعوة الهيئات الناخبة في 10 أيّار أقربَ إلى إجراءٍ شكليّ، فيما تتكثّف "التمارين" الانتخابيّة المبكرة في المناطق بوصفها عمليّة شدّ عصبٍ لا أكثر. حين يُعلن سمير جعجع ترشيح غوستاف قرداحي في كسروان، لا يقدّم اسمًا فقط، بل يعلن أنّ الماكينات تتحرّك، حتّى لو كان الشريط الزمنيّ للاستحقاق غير محسوم.
في المقلب الآخر، يُترجم منطقُ التأجيل من كواليسَ إلى محاولةِ تشريع. النائب أديب عبد المسيح يتّجه إلى اقتراح قانونٍ مُعجَّلٍ مُكرَّر لتأجيل الانتخابات وتمديد ولاية المجلس الحاليّ لمدّةٍ أقصاها سنة، تحت عنوان "استحالة" إجراء الانتخابات في موعدها. وهنا يتبدّى المعنى السياسيّ الأعمق، الحديث عن "تقنيّ" لم يَعُد تفصيلًا، بل صار مدخلًا لمنح القوى وقتًا إضافيًّا لإعادة التموضع، أو للهروب من اختبارٍ قد يأتي في لحظةٍ أسوأَ من أن تُخاض.
وفي الخلفيّة، يطلّ سؤالُ العودة السُّنّيّة إلى اللعبة عبر بوّابة تيّار "المستقبل". تغطيات "المدن" تتحدّث عن تيّارٍ على مفترق، يدرس حظوظه ويبحث عن شكل المشاركة ومعناها. وعلى خطٍّ موازٍ، يظهر أنّ التحضير لذكرى 14 شباط يتّخذ طابعًا تنظيميًّا واسعًا، بما يوحي بأنّ الخطاب السياسيّ المُنتظر سيعيد ترتيب إشارات الداخل قبل أن يُحدِّد وجهة الاستحقاق.
لكنّ العُقدة ليست في الأسماء وحدها، بل في أنّ البلاد تعيش "انتخاباتٍ داخل أزمة"، لا "أزمةً داخل انتخابات". أي إنّ الاستحقاق لا يقود المرحلة، بل يُسحَب إليها، الموازنة، رواتب العسكريّين، ملفّ السلاح، التوتّر الحدوديّ، والاقتصاد المُعلَّق على علاقة لبنان بالخارج.
ملفّ الميكانيزم وضربات إسرائيل
إذا كان ملفّ الانتخابات يعكس عجز القرار، فإنّ الجنوب يعكس كلفة هذا العجز. اليوم، ارتفعت وتيرة التصعيد، إنذاراتٌ عاجلة بالإخلاء في كفرتبنيت وعين قانا، ثمّ غاراتٌ على مبانٍ بعد تهديدات "الخريطة الحمراء"، مع أضرارٍ واسعة أصابت الأبنية السكنيّة المحيطة، وسط تبريرٍ إسرائيليّ بأنّه استهداف "بُنىً تحتيّة" مرتبطة بالسلاح. وهذا ضغطٌ مباشر على أيّ محاولةٍ لبنانيّةٍ لالتقاط أنفاسٍ سياسيّة. وفي هذا السياق، استقبل رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي في مقرّ الرئاسة الثانية في عين التينة رئيس الحكومة نواف سلام، حيث جرى بحثٌ لتطوّرات الأوضاع العامّة في لبنان، والمستجدّات السياسيّة والميدانيّة، على ضوء مواصلة إسرائيل اعتداءاتها اليوميّة والمتواصلة على لبنان والجنوب.
ووصل قائد الجيش رودولف هيكل إلى تامبا في فلوريدا للاجتماع بقيادة القيادة المركزيّة الأميركيّة، قبل الانتقال إلى واشنطن للقاء مسؤولين سياسيّين وعسكريّين. والزيارة محاولةُ إعادة وصلٍ بعد فتور ومنصّة اختبارٍ سياسيّ عنوانُه: ماذا قدّمت الدولة في ملفّ حصر السلاح، وماذا تستطيع أن تفعل في المرحلة الثانية.
وعلمت "المدن" أنّ هيكل حمل ملفّاتٍ وخرائطَ وصورًا لتوثيق أداء الجيش، خصوصًا في جنوب الليطاني، استجابةً لطلبٍ أميركيّ متكرّر بتقديم "أدلّةٍ ميدانيّة". والانطباعات الأولى في القيادة الوسطى وُصفت بالإيجابيّة، فيما يبقى الامتحان الأصعب في واشنطن، حيث تتقدّم السياسة إلى الواجهة عبر لقاءاتٍ في وزارة الخارجيّة الأميركيّة والكونغرس.
الميكانيزم: ضغطٌ بجدولٍ زمنيّ وصيغةٍ سياسيّةٍ مُتبدِّلة
الطبق الرئيسيّ على الطاولة هو "الميكانيزم". واشنطن تؤكّد استمرار التنسيق العسكريّ الخماسيّ لضبط الحدود ومتابعة الاعتداءات، لكنّها تضغط في المسار السياسيّ لتعديل الصيغة باتّجاه ثلاثيّة، وفق ما أوردته "المدن". الجانب الأميركيّ يمثّله السفير ميشال عيسى، والجانب الإسرائيليّ يمثّله السفير الأميركيّ في إسرائيل مايك هاكابي، فيما يُفترض أن يمثّل الجانبَ اللبنانيّ السفيرُ سيمون كرم، مع بقاء التفاصيل قيد المتابعة وإعادة خلط الأوراق.
الأخطر ليس في الأسماء، بل في الاتّجاه، تثبيتُ مواعيد اجتماعاتٍ بين شباط وأيّار، وربطُها بمهامّ ميدانيّة تتّصل بحصريّة السلاح وتوسيعها من جنوب الليطاني إلى شماله. أي إنّ الإيقاع السياسيّ الأميركيّ يتحوّل روزنامةً ضاغطة على الداخل اللبنانيّ، وعلى مجلس الوزراء تحديدًا.
ويُنتظر أن تستأنف الميكانيزم اجتماعاتها في الخامس والعشرين من شباط، وقالت مصادر دبلوماسيّة لـ"المدن" إنّ الاجتماعات ستقتصر على الشقّ العسكريّ، مع احتمال مشاركة السفير الأميركيّ في إسرائيل.
وضع الحكومة والتوتّرات المَطلبيّة
إذا كان الخارج يضغط بعنوان السلاح والآليّات، فالداخل يضغط بعنوان الرواتب والعيش. تحت ضغط دخول متظاهرين إلى البرلمان، أطلقت الحكومة وعدًا سريعًا بحلحلة أزمة رواتب العسكريّين قبل نهاية شباط. لكنّ وزير المال ياسين جابر اعترض داخل المجلس قائلًا، "كيف تُطلقون الوعود عشوائيًّا كما فعلتم في 2017؟ ماذا أقول لوفد صندوق النقد الآتي في 9 شباط؟"
هذا الاشتباك يختصر مأزق الدولة: وعدٌ اجتماعيّ مطلوبٌ للتهدئة، وسقفٌ ماليّ يذكّر بأنّ البلد لا يملك هامشًا مفتوحًا. وحين يدخل صندوق النقد الدوليّ على الخطّ بموعدٍ قريب، تتحوّل الوعود من سياسةٍ داخليّة إلى إشارةٍ خارجيّة، وتصبح الحكومة محكومةً بسؤالٍ واحد، كيف تشتري الاستقرار من دون أن تُفلِس سياسيًّا وماليًّا؟
وفي الوقت نفسه، ينتظر المعلّمون وأساتذة الجامعة اللبنانيّة إقرارَ التفرّغ الذي طال انتظاره سنوات، مع تهديدٍ بشلّ الجامعة إذا لم يُقرّ في جلسة اليوم. تتكرّر المعادلة نفسها، ملفٌّ اجتماعيّ يتحوّل إلى اختبار قدرة السلطة على اتّخاذ قرار، مثلما تتحوّل الانتخابات إلى اختبار قدرة السلطة على احترام موعد، مثلما يتحوّل الجنوب إلى اختبار قدرة السلطة على حماية الأرض.
ويأتي ذلك بالتزامن مع خطّةٍ أمنيّةٍ جديدة تُنفّذها قوى الأمن الداخليّ، تهدف إلى التشديد على حركة الدرّاجات الناريّة ووسائل النقل من نوع "التوك توك" داخل العاصمة. وتقيم القوى الأمنيّة، في إطار هذه الحملة، حواجزَ ثابتةً ومتنقّلة للتدقيق في الأوراق الرسميّة الخاصّة بسائقي الدرّاجات الناريّة، إضافةً إلى مستندات ملكيّة هذه الآليّات. وتأتي في ظلّ هواجس ومعلومات عن انفجارٍ مرتقبٍ في الشارع من قبل القطاع العامّ والمستأجرين، للضغط على الحكومة أكثر.
والحال فإن لبنان يبقى عالق بين "صندوق اقتراعٍ" مُؤجَّل و"صندوق نارٍ" مفتوح. في الداخل، استحقاقٌ نيابيّ يتقدّم بخطابٍ ويترنّح بقرار. في الخارج، ميكانيزم يُعاد ضبطه لإنتاج ضغطٍ مُتدرِّج، وغاراتٌ إسرائيليّة ترفع سقف الرسائل. وبينهما، أميركا ترسم الإيقاع، وإيران تُساوم على الصفقة، فيما الحكومة تُطفئ حرائق الرواتب والتفرّغ بوعود شباط، التي لا تضمن وحدها ربيعًا سياسيًّا ولا أمنًا مُستقرًّا.