لبنان وسوريا في مفاوضات منفصلة: من يحسم الملفات المشتركة؟

ليس في الشرق الأوسط اليوم مسار تفاوضيّ واحد. ثمّة مسارات متوازية، ومتباعدة، وأحيانًا متناقضة. لبنان يفاوض على أمن الجنوب والانسحاب الإسرائيلي. وسوريا تفاوض على وقف الاعتداءات واستعادة مواقع احتلّتها إسرائيل بعد سقوط نظام بشّار الأسد. لكنّ الجغرافيا لا تعترف بتقسيم الملفات وفق رغبات الوسطاء. بين لبنان وسوريا حدود لم تُرسّم، ومياه مشتركة، ونزاعات بحرية، وطرق تهريب، ومصالح اقتصادية، وذاكرة ثقيلة من التدخّل والوصاية والحروب.

لذلكَ، لا يكفي أن يفاوض كلّ بلد منفردًا. فالملف اللبناني يدخل في سوريا، والملف السوري يطلّ على لبنان. وأيّ تسوية لا تراعي هذا التداخل قد تنقل المشكلة من جبهة إلى أخرى. أمّا السؤال السياسيّ الفعليّ، فهو: من يحسم هذه الملفات، الدولتان، أم القوى الإقليمية التي اعتادت استعمال الحدود اللبنانيّة السوريّة ممرًا لنفوذها وحروبها؟

 

مساران منفصلان فوق جغرافيا واحدة

دخل لبنان مفاوضاته مع إسرائيل من بوّابة روما، وبرعاية أميركية، على قاعدة البحث عن انسحاب إسرائيلي وترتيبات أمنية تعيد سلطة الدولة إلى الجنوب. أمّا سوريا، فخاضت في الأردن محادثات أمنية مع إسرائيل، بوساطة أميركية أيضًا، في محاولة لوقف الضربات الإسرائيلية وإحياء مسار أمني يستند إلى اتفاق فصل القوّات لعام 1974. المفاوضات اللّبنانيّة – الإسرائيليّة  تتحرّك إذًا على سكة، فيما تسير المفاوضات السّوريّة – الإسرائيليّة على سكة أخرى.

ظاهريًا، يبدو الفصل منطقيًا. لكلّ دولة أرضها وحكومتها وأولويّاتها. لكنّ هذا الفصل يصطدم سريعًا بالوقائع. مزارع شبعا وتلال كفرشوبا تقع عند نقطة التقاء النزاعات اللبنانية والسورية والإسرائيلية. الحدود الشرقية والشمالية تشكّل ممرًا للأفراد والسلاح والبضائع. والحدود البحرية غير المرسّمة قد تتحوّل إلى نزاع على الغاز والنفوذ. حتى أمن الجنوب اللبناني يتأثّر بما تقرّره إسرائيل في الجولان، وبما تفعله تركيا في سوريا، وبما تبقّى لإيران من نفوذ عابر للحدود.

المشكلة، إذن، ليست في استقلال المسارين. استقلالهما واجب سياديّ. المشكلة في غياب التنسيق بين دولتين تتقاطع مصالحهما، من دون أن تتطابق.

 

الحدود أوّل السّياسة وآخر الحروب

يبلغ طول الحدود بين لبنان وسوريا نحو أربعمئة كيلومتر. لكنّ أجزاء واسعة منها لم تُثبّت ميدانيًا ونهائيًا. وفي أيار 2006، شجّع مجلس الأمن سوريا، بموجب القرار 1680، على الاستجابة لطلب لبنان ترسيم الحدود وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة معه، وخصوصًا في المناطق المتنازع عليها.

وفي آذار 2025، وقّع البلدان في السعودية اتفاقًا يؤكّد ضرورة ترسيم الحدود وتعزيز التنسيق الأمني، بعد اشتباكات دامية في المناطق الحدوديّة. لكنّ الاتفاق ظلّ إطارًا سياسيًا أكثر منه عملية ترسيم مكتملة. اتفاق ترسيم الحدود والتنسيق الأمني لم يُلغِ الحاجة إلى لجان تقنية، وخرائط موحّدة، ومحاضر قانونية، وقرار سياسيّ يمنع العودة إلى الغموض.

وفي تموز 2026، أنشأ البلدان لجنة عليا مشتركة للتعاون السياسيّ والاقتصاديّ والأمنيّ، تشمل الطاقة والنقل والتجارة وأمن الحدود. لكنّ اللجان لا ترسم حدودًا وحدها. هي تحتاج إلى تكليف واضح، ومهل محدّدة، ومرجعية تحكيمية عند تعذّر الاتفاق. وإلّا تحوّلت إلى صيغة جديدة لإدارة الخلاف بدل حلّه. إنشاء اللجنة العليا المشتركة يشكّل فرصة، لكنّ قيمته تُقاس بما سينتجه، لا بما أُعلن عند توقيعه.

 

البحر والمياه والطاقة

لا يقتصر النزاع على اليابسة. فالمنطقتان الاقتصاديتان الخالصتان للبنان وسوريا تتداخلان في مساحة تُقدّر بما بين 750 وألف كيلومتر مربّع. وهذا يعني أنّ أيّ تلزيم سوريّ أو لبنانيّ للتنقيب قد يتحوّل إلى أمر واقع على حساب الطرف الآخر. النزاع البحريّ المحتمل لا يُحلّ بالصمت، بل بالتفاوض، ثمّ بالتحكيم إذا فشل التفاوض.

ويبرز أيضًا ملف مياه نهر العاصي. فقد حدّد اتفاق عام 1994 حصّة لبنان بثمانين مليون متر مكعّب سنويًا، عندما يبلغ تدفّق المياه أربعمئة مليون متر مكعّب أو أكثر. لكنّ السؤال ليس قانونيًا فقط. إنّه سؤال القدرة اللبنانية على استثمار حصّتها في الريّ والطاقة والتنمية، بدلاً من إبقائها حقًا نظريًا.

أما اقتصاديًا، فيكفي التذكير بخطّ كركوك، طرابلس. فقد نقل النفط العراقي عبر سوريا إلى منشآت طرابلس، حيث أُنشئت مصفاة بطاقة 21 ألف برميل يوميًا. كان ذلك نموذجًا لمصلحة ثلاث دول. تعطّله حوّل الجغرافيا من فرصة إلى عبء. وإعادة تشغيله تحتاج إلى دول فاعلة وشفافية كاملة، لا إلى شبكات محاصصة وتهريب.

 

السيادة ليست قطيعة

التنسيق لا يعني إحياء شعار "وحدة المسار والمصير". فهذا الشعار استُعمل طويلًا لتغطية اختلال العلاقة بين البلدين، ولتخفيف معنى استقلال لبنان. البديل ليس العداء لسوريا، بل التعاون معها بوصفها دولة مستقلّة. كما أنّ حماية سيادة سوريا تقتضي إنهاء أيّ نشاط عسكريّ لبنانيّ غير شرعيّ داخل أراضيها.

المعيار بسيط. لا وصاية سوريّة على لبنان. ولا سلاح لبنانيّ يتدخّل في سوريا. ولا شبكات تهريب تفرض قواعدها على الدولتين. ولا تفاوض إقليميّ يتصرّف بالحدود والمياه والأمن كأنّهما ممتلكات للقوى الخارجية.

 

تعاون دولتين لا "وحدة مسار ومصير"

في هذا السياق، ولدى سؤاله عن الملفات المتداخلة بين لبنان وسوريا، وكيف يمكن مقاربتها تفاوضيًا، يُشير المؤرّخ والأمين العام لـِ "الحركة الثقافية في أنطلياس" عصام خليفة لـِ "المدن"، "ينصّ القرار 1680 على ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا. والمفترض أن تجهّز كلّ دولة ملفّاتها. لبنان يملك مادة وثائقية ضخمة في هذا الموضوع. لدينا اتفاقات وخرائط ومحاضر تحديد وتحرير، ووثائق يمكن البناء عليها".

ويضيف: "وصلنا أكثر من مرّة إلى البحث في الترسيم، واتُّفق على مطابقة النقاط الحدودية وتثبيتها تقنيًا، لكنّ الجانب السوري تراجع لاحقًا. لذلك يجب إحياء اللجان المتخصّصة، وتحديد نقاط الخلاف، والانتقال من العموميات السياسية إلى العمل الميداني والقانوني".

ويتابع: "هناك أيضًا مزارع شبعا. هي بين لبنان وسوريا من الناحية الجغرافية، لكنّها تحوّلت إلى مسألة بين لبنان وإسرائيل، لأنّ إسرائيل احتلّتها مع الجولان السوري. أعددنا منذ عام 2005 ملفًا قُدّم إلى مجلس الوزراء، ويتضمّن وثائق تؤكّد، في رأينا، لبنانية المزارع. المطلوب تقديم هذا الملف إلى المسؤولين السوريين ومجلس الأمن، ثمّ تثبيت الحدود رسميًا. لا يجوز إبقاء القضية شعارًا سياسيًا أو ذريعة دائمة للسلاح".

وعن الحدود البحرية، يقول خليفة: "هناك تداخل يُقدّر بنحو ألف كيلومتر مربّع. المطلوب أن يجلس الخبراء اللبنانيون والسوريون، وأن يعرض كلّ طرف خرائطه وإحداثياته. فإذا توصّلوا إلى اتفاق، يُثبّت قانونيًا. وإذا تعذّر الاتفاق، يذهبان إلى التحكيم. لا يجوز أن يتحوّل البحر إلى نزاع مؤجّل، ثمّ نستيقظ على تلزيمات وحقوق ضائعة".
 

وماذا عن المياه والملفات الاقتصادية؟

يجيب: "لدينا حقوق في مياه نهر العاصي لا نستفيد منها كما يجب. ينبغي إنشاء مشاريع وسدود، وريّ الأراضي في البقاع، وإنتاج الكهرباء ضمن الأراضي اللبنانية. التعاون مع سوريا ضروريّ، لكنّ المطلوب أيضًا أن يعرف لبنان حقوقه وأن يستثمرها".

ويضيف: "ثمّة مجال اقتصاديّ واسع. كان النفط العراقي يصل عبر سوريا إلى طرابلس. وكانت المنشآت تشغّل أعدادًا كبيرة من العمّال وتؤدّي دورًا إنتاجيًا وتصديريًا. ما الذي يمنع إعادة إحياء هذا الخطّ، وتطوير مصفاة طرابلس، والتعاون في الغاز والكهرباء؟ يمكن تأمين الكهرباء على مدار الساعة إذا وُجدت خطّة جدّية. لكنّ ذلك يفترض وقف الفساد، والفيول المغشوش، والنهب، وإدارة المرافق بمنطق الدولة".

 

الأمن وعدم التدخّل

يقول خليفة: "يجب أن يكون هناك اتفاق أمنيّ واضح. لا نريد أن نتدخّل في شؤون سوريا، ولا أن تتدخّل سوريا في شؤوننا. كان تدخّل النظام السوري في لبنان خطًا، وكان دخول حزب الله في الحرب السورية خطًا أيضًا. سيادة الدول لا تتجزّأ. فلا يجوز أن تدخل سوريا إلى لبنان، ولا أن تدخل قوّة لبنانية مسلّحة إلى سوريا".

ويضيف: "هناك أيضًا واقع ديموغرافي واجتماعيّ معقّد في المناطق الحدودية. ثمّة نحو 19 قرية داخل سوريا ترتبط عائلاتها أو سكّانها بلبنان. وهناك ملفّ منطقة القصير، والمنشآت العسكرية التابعة لحزب الله، وما رافق الحرب من تهجير لأهالي القصير ونزوح إلى لبنان. هذه القضايا تحتاج إلى حلّ. لكنّ الحلّ يبدأ من احترام سيادة سوريا، ومن منع أيّ تنظيم مسلّح من فرض أمر واقع على جانبي الحدود".

ويستخدم تشبيهًا لافتًا: "لبنان وسوريا يشبهان توأمين سياميين التصق ظهرهما. بينهما ارتباط جغرافيّ ومصالح كثيرة، لكنّهما ليسا جسدًا سياسيًا واحدًا. التعاون ضرورة، والذوبان مرفوض".

 

إلى أين تتّجه المنطقة، ومن يحسم هذه الملفات؟

يجيب خليفة: "إسرائيل تحاول التحكّم بمسارات لبنان وسوريا. وتركيا تملك نفوذًا واسعًا في سوريا. وإيران تمارس نفوذها في العراق ولبنان من خلال جماعات مرتبطة بها. نحن أمام ثلاث قوىً تتصارع على المنطقة، وكلّ واحدة منها تريد ترتيب الجغرافيا وفق مصالحها".

ويختم: "أنا ضدّ المشروع الإسرائيلي الهادف إلى تفكيك المنطقة وتحويلها إلى دويلات طائفية. وأنا ضدّ السيطرة التركية على سوريا. كما أنّني ضدّ السيطرة الإيرانية واستعمال الأذرع المسلّحة، سواء حزب الله في لبنان وسوريا، أو الحشد الشعبي في العراق، للعمل خارج الدولة. الحلّ ليس باستبدال نفوذ بنفوذ. الحلّ هو الدولة".

وهنا تقع الخلاصة. لا تحسم ملفات لبنان وسوريا في عواصم أخرى. ولا تحسمها الأحزاب المسلّحة. يحسمها البلدان، عبر مؤسّساتهما الشرعية، وبوثائق واضحة، ولجان متخصّصة، وتحكيم عند الضرورة. وما عدا ذلك ليس "وحدة مسار ومصير"، بل وحدة انكشاف أمام الخارج.