لماذا لا تعلن مناطق الشمال منزوعة السلاح أيضًا؟

في عكار وطرابلس وعدد من مناطق الشمال، لم يعد التراجع الأمني مجرّد توصيف عام، بل بات واقعًا يوميًا يفرض نفسه على حياة المواطنين بكل تفاصيلها. سلاح متفلّت، إشكالات تتكرر، وإطلاق نار عشوائي في أكثر من مناسبة، وصولًا إلى سلوكيات عبثية تعكس حجم الخلل في الضبط والرقابة، وتطرح علامات استفهام جدية حول فعالية الإجراءات المتخذة على الأرض.

انتشار السلاح

ويبرز انتشار السلاح الفردي كأحد أخطر مظاهر هذا الواقع، إذ لم يعد محصورًا في إطار ضيّق أو حالات استثنائية، بل بات جزءًا من المشهد اليومي في بعض المناطق، يُستخدم في الخلافات الشخصية والإشكالات البسيطة، ما يحوّل أي توتر عابر إلى احتمال تصعيد خطير. هذا الواقع يعكس تراجعًا واضحًا في هيبة القانون، وضعفًا في قدرة الدولة على فرض سلطة موحدة على كامل الأراضي. في موازاة ذلك، تتعزّز المخاوف مع استمرار الحديث عن توسّع ظاهرة حيازة السلاح وتراخيصه التي تعطيها وزارة الدفاع بشكل كبير، حتى إنّ عنصرًا أمنيًا واحدًا يخدم في وزارة الدفاع يستطيع الحصول على عشرات التراخيص، وسط تساؤلات متزايدة حول آليات التنظيم والرقابة، والمعايير المعتمدة في هذا الملف الحساس، وما إذا كانت تُطبّق بشكل موحّد يحد من الفوضى بدلًا من تكريسها، أو أنها تحتاج إلى إعادة نظر شاملة تعيد ضبطه ضمن إطار صارم وواضح.

ويترافق هذا التراجع الأمني مع وضع اجتماعي واقتصادي أكثر تعقيدًا، حيث تعاني مناطق الشمال ارتفاعًا حادًا في معدلات الفقر والبطالة، وتراجع فرص العمل، وشحًا في الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وصحة وتعليم. هذا الواقع ينعكس مباشرة على حياة الناس، ويزيد من مستوى الضغط اليومي، ما يخلق بيئة هشّة قابلة للاحتقان والانفجار في أي لحظة، ويجعل معالجة الملف الأمني أكثر صعوبة وتشابكًا. كما أن تراكم الأزمات اليومية يدفع كثيرين إلى الشعور بانعدام الاستقرار وغياب الأفق، ما يزيد من حدّة التوتر الاجتماعي ويضعف الثقة بالمؤسسات. ومع استمرار هذا المسار، تتعمّق الفجوة بين الواقع المعيشي والحد الأدنى من متطلبات الاستقرار.

صرخات الأهالي

وفي ظل هذا المشهد، ترتفع أصوات الأهالي المطالبة بتشديد الإجراءات الأمنية، وإعلان مناطق الشمال منزوعة السلاح أسوة ببيروت، للمساهمة في ضبط السلاح غير الشرعي بشكل صارم، وتفعيل دور القوى الأمنية في المراقبة والردع، إلى جانب مقاربة شاملة لا تقتصر على الجانب الأمني فقط، بل تمتد إلى معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تغذّي هذا التدهور.

سيارات ومخالفات

في عدد من مناطق الشمال، تبرز ظاهرة السيارات من دون لوحات أو ذات الزجاج الداكن بشكل مفرط، والتي تجوب الطرقات والأحياء يوميًا وتثير قلق الأهالي، في ظل غياب واضح للإجراءات الرادعة. هذه المركبات لا تُعتبر مجرّد مخالفة مرورية، بل يُخشى من استخدامها في أنشطة غير قانونية كتهريب السلاح والمخدرات أو في عمليات تُخل بالأمن. ويطالب المواطنون بتكثيف الحملات الأمنية وتعقّب هذه السيارات وتوقيفها فورًا، لما تمثّله من تهديد مباشر للاستقرار وهيبة الدولة على الطرقات.

في الشمال، تبدو الحاجة ملحّة اليوم إلى مقاربة جديّة تعيد الاعتبار لهيبة الدولة، وتضع حدًا لحالة التفلّت المتصاعدة، قبل أن يتحوّل الاستثناء إلى قاعدة يصعب ضبطها لاحقًا، ويصبح الضرر أعمق وأكثر كلفة على المجتمع والدولة معًا.