مسيحيو البلدات الحدودية جنوباً على خط النار... والصمود

مجدداً، إنها البلدات المسيحية الحدودية. قصتها من قصة هذا الوطن الجريح، وقدرها أن تعاني وتنزف باستمرار. ما إن ترفع عنها غبار الحرب ثم النسيان حتى تتحضر لمأساة جديدة، أكثر قساوة.

تتركز البلدات المسيحية الحدودية الرئيسية في جنوب لبنان أو ما يعرف بالحافة الأمامية، في قضاء بنت جبيل ومرجعيون.

في مرجعيون 5 بلدات مسيحية من 32: دير ميماس، برح الملوك، القليعة، جديدة مرجعيون، وإبل السقي (مختلطة).

في القطاع الغربي: عين إبل، رميش، دبل، القوزح علما الشعب. 
وفي قضاء حاصبيا: راشيا الفخار، كوكبا وأبو قمحة (حاليا، وضعها مريح نسبيا).
هي قصص بلدات اشتهرت بأنها نقاط صمود تاريخية، تحاول الحفاظ على وجودها وسط التوترات الأمنية المستمرة.

رميش وعلما الشعب
من القطاع الغربي، وتحديدا رميش تبدأ القصة. تقع على الحدود مباشرة وتعدّ من أهم القرى المسيحية. لصيقة بالصمود والتمسك بالأرض.

حتى الساعة، هي صامدة ولم ينزح أهلها، وإن كان قدرهم أن يذوقوا طعم التهجير المرّ تكرارا، آخرها في حرب الـ2024. عامذاك، عانت القصف المتبادل بين "حزب الله" وإسرائيل، وأبى أهلها ترك بيوتهم والاستسلام لحرب فرضت عليهم. هي رميش المسيحية التي تبعد نحو كيلومترين عن الحدود مع إسرائيل، شهدت على أكثر من حرب. ففي عدوان تموز 2006 بين "حزب الله" وإسرائيل، لم تفرغ يوماً. وهذه المرة لا يزال أهلها في أرضهم.

إلى عين إبل المرتبط تاريخها بالتاريخ الماروني العريق. في كل مرة تعيد تمسكها بالبقاء. يلفت رئيس بلديتها أيوب خريش إلى أن "لا نزوح حاليا. الله حامينا. باقون، ولقد وفّرنا المازوت لأن لا كهرباء لدينا، والوضع التمويني نسبيا مؤمّن بفضل المساعدات، إلا أن أقرب مستشفى إلينا في صيدا، لذلك التحديات كبيرة، لكننا لن نرحل". 

ويصمت ثم يتدارك: "لقد كسر ظهرنا موت كاهن القليعة ونزوح علما الشعب!"
... علما الشعب باتت الآن نازحة. هي بلدة مسيحية تقع على الحافة الأمامية، عانت القصف، وتأثر كثر لمشاهد أهلها يغادرونها.

يقول رئيس البلدية شادي صياح: "نغادر ولا نعرف إذا كنا سنعود". ويخبر أن تهديدات جدية نقلتها إليهم لجنة "الميكانيزم" و"اليونيفيل"، وإلا لما غادروا. حتى إن "اليونيفيل" قالت لهم إذا أردتم أن تبقوا فعلى مسؤوليتكم.

بالأمس، رحل آخر 83 شخصا من علما الشعب...حتى إشعار آخر!
وإذا كانت علما الشعب نازحة، فإن القوزح أصابها التدمير، لكن أهلها يحاولون قدر الإمكان البقاء في منازلهم.

القليعة... ومار جرجس
في قضاء مرجعيون، تبقى قصة القليعة المعبرّة. تلك البلدة ذات الغالبية المسيحية القريبة من مرجعيون. دخلت التاريخ والوجدان بعدما سطرّ كاهن الرعية الأب بيار الراعي بالدم مسار هذه البلدة التي يتوسطها تمثال القديس جرجس. فهو رفض الرحيل وبقي مؤتمنا حتى الرمق الأخير، بروحه، على أرواح الأهالي.

صلّى الاهالي في دفنه، وتضرعوا إلى الله كي يحمي البلدة.

أما جديدة مرجعيون فصامدة. يروي رئيس بلديتها ساري غلمية أنه "حتى الآن هناك 450 عائلة في البلدة. سنبقى، مع أنه في حرب الـ2024 بدأ الاهالي ينزحون. حتى الساعة لا استهدافات، وإن تكن الآثار النفسية كبيرة علينا، ونجهد كي لا نعاني نقصا تموينيا، ولا نطالب إلا بالجيش والدولة كي نصمد".

هكذا، قرر سكان مناطق مرجعيون، القليعة، برج الملوك، والمناطق المحيطة البقاء. هم لا يريدون إلا السلام... والجيش. فأين الجيش؟!