مصرف لبنان لم يجدّد أو يمدّد التعميم 151 والمصارف تترك الخيار للمودع

حاول مصرف لبنان عبر إصداره التعميم 151 استيعاب بعض الأزمة، ومنح المودعين فرصة الإفادة من بعض ما لديهم في حساباتهم، وتدرّج في تسعير "اللولار" من 3900 ليرة بداية، إلى 15000 ألف حالياً مروراً بمحطة الـ8000 ليرة.


أفاد التعميم المودعين ومصرف لبنان على السواء. فالمودعون استطاعوا تسيير أمورهم الاجتماعية نسبياً ببعض السيولة بالرغم من خسائر الفرق مع السعر الفعلي للدولار، ومصرف لبنان والمصارف أفادوا من تخفيف حمل الودائع لديهم بالدولار.


لكن بعد الشروع في التحضير لموازنة 2024 بات الحديث جدياً عن تعديل التعميم 151 ورفع سعر السحب إلى 89500 ليرة، بناءً على نصائح صندوق النقد ودعوته الملحّة لتوحيد أسعار الصرف، ولتوجّه مصرف لبنان نحو محاولة رفع الظلم عن المودعين والبدء بالخطوة الأولى في رحلة الألف ميل لإعادة الودائع.

لم يرق هذا الطرح البعض، حيث التخوّف من عودة نمو الكتلة النقدية بعد انحسار كبير في الأشهر الأخيرة، فيما رحّبت به جهات أخرى واعتبرته خطوة مفيدة بالرغم من أنها غير كافية لمعالجة فجوة مالية بحجم 72 مليار دولار.


فالتخوّف من زيادة التضخم عالجه طرح بتعديل التعميم 151 بما يسمح بسحب المبلغ المحدّد شهرياً بالدولار فقط وبمبلغ صغير ومحدود، بما يمنع حصول انتفاخ في سيولة الليرة في السوق من جهة، ويقطع طريق المضاربة على سعر الصرف.

أما الترحيب الذي ساد عند جهة المودعين، فقد شابه الحذر من عدم قدرة المصارف ومصرف لبنان على الاستمرار في تأمين السيولة الدولارية لتموين السحب المتوقع بكثافة، نظراً لتمادي الأزمة الاقتصادية والجمود الذي يعتري الوضعين السياسي والاقتصادي خصوصاً بعد دخول لبنان في أزمتي الشغور الرئاسي وارتدادات حرب غزة.


ولكن مفعول التعميم 151 انتهى في نهاية عام 2023 ولم يعمد مصرف لبنان الى تجديد التعميم أو تمديده، بيد أن عملية سحب الدولارات وفق سعر صرف 15 ألف ليرة لم تتوقف. ووفق ما أكدت مصادر مصرفية فإن الخيار الأول والأخير يعود للمودعين إذا ما أرادوا سحب ودائعهم على سعر صرف 15 ألف ليرة، أو انتظار أيّ تعديل لسعر الصرف. فالمصارف وفق ما توضح المصادر عينها "لا تزال تسعّر دولارات الودائع على سعر 15 ألف ليرة باعتباره السعر الرسمي للدولار بموجب قانون موازنة عام 2023 الذي اعتُمد فيه سعر رسمي للصرف عند 15 ألف ليرة، علماً بأن الحاكم بالانابة وسيم منصوري قالها صراحة إن السحوبات من الحسابات بالدولار المحلي ستصبح على سعر الصرف الرسمي، وهو في انتظار إقرار موازنة 2024، على أمل أن يكون هناك سعر صرف جديد"، مشيرة الى أن منصوري عمد الى تحضير الأرضية لذلك، عبر تعديله سعر منصّة صيرفة ليصبح 89 ألفاً و500 ليرة. ويبدو واضحاً برأي المصادر أن منصوري يريد أن يتخلص من الدولار المصرفي نهائياً، ليسحب المودعون ودائعهم على سعر الصرف الرسمي (89 ألفاً و500 ليرة)، ليتفرّغ بعدها لضبط السيولة والضغوط التضخمية واضطرابات سوق الصرف.


خبير المخاطر المصرفية والباحث في الاقتصاد محمد فحيلي، قال لـ"النهار": "اليوم، كما في الأمس، والمستقبل رهن أداء السلطة السياسية، الممر الإلزامي لحصول المودع على ما تيسّر من أمواله الخاصة التي ائتمن المصرف عليها هو أحد هذه التعاميم:

- التعميم الأساسي 151 يستهدف الأرصدة بالدولار المحلي وهي الحسابات المثقلة ‏بالمخاطر الائتمانية وغيرها. والسبب يعود إلى توظيف هذه السيولة من المصرفيين في الديون السيادية وفي شهادات إيداع لدى مصرف لبنان. جزء من هذه التوظيفات تعثّر بسبب توقف الدولة عن خدمة الدين العام، وتجميد مصرف لبنان تسديد توظيفات المصارف لديه، والجزء الآخر سُدّد على الـ1500 ليرة. اليوم السحوبات تحت أحكام هذا التعميم هي على سعر 15000 ليرة للدولار الواحد، وهو سعر أراده مصرف لبنان أن يكون سعر الصرف الرسمي بعد أن كان 3900 و8000 ليرة عند إصدار التعميم. وبعد أن ترك للمصرف تحديد سقف السحوبات لكل مودع، حدّد مصرف لبنان بعدها السقف بـ1600 دولار شهرياً للحساب الواحد شرط أن يكون صاحب الحساب لا يفيد من ‏التعميم الأساسي 158 من المصرف ذاته، وكان هذا الإجراء محاولة للجم الضغوط التضخمية التي قد تنتج من ارتفاع في حجم الكتلة النقدية المتداولة.

- التعميم الأساسي 158 المتعلق بأرصدة الحسابات التي تستوفي شروط التعميمين 151 و158 هي أرصدة معنونة بالدولار المحلي، ولكن لجأ مصرف لبنان إلى تمييز أرصدة الحسابات المكونة بالعملة الأجنبية قبل 31 تشرين الأول 2019 بقسط من الدولارات الفريش يصل ‏بحدّه الأقصى إلى 50 ألف دولار للعميل الواحد بموجب 400 أو 300 دولار شهرياً. في الواقع، ووفق تعاميم مصرف لبنان، كل الحسابات المعنونة بالعملة الأجنبية قبل تاريخ 9 نيسان 2020 هي حسابات بالدولار المحلي، ولكن مصرف لبنان اعتبر أن الحسابات التي تكوّنت بعد 2019/10/31 وقبل 2020/04/9 هي حسابات ‏بمعظمها محولة من الليرة اللبنانية إلى الدولار على سعر 1500 ليرة. وهذه هي الحسابات التي صُنّفت في بعض المشاريع الإنقاذية بـ"حسابات غير مؤهّلة". يشار إلى أنه تخضع أرصدة الحسابات بالدولار المحلي (الحسابات التي يشملها التعميمان 151 و158) لاحتياطي إلزامي يساوي 14% من أرصدة هذه الحسابات تودع لدى مصرف لبنان (تسجّل تحت بند الاحتياطي الإلزامي وهي سيولة داخلية بالعملة الأجنبية، لا تُحتسب سيولة لمصرف لبنان بل للمصارف وتُصرف ضمن آلية معيّنة)، و3% من هذه الأرصدة سيولة خارجية نظيفة تودع لدى المصرف المراسل للمصرف التجاري اللبناني. اليوم يسجل عجز على الجهتين – الاحتياطي الالزامي دون المطلوب في مخالفة فاضحة للقانون، والمصارف أخفقت في تأمين الـ3% في مخالفة واضحة لتعاميم مصرف لبنان.

- التعميم الأساسي 150 الذي يتعلق بحسابات الدولار الفريش محررة من كل الالتزامات، وممنوع على المصرف اعتبار أي جزء من أرصدة هذه الحسابات من ضمن سيولته الخاصة، وعلى المصرف تأمين مؤونة توازي 100% من أرصدة هذه الحسابات وإيداعها لدى المصرف المراسل.

- التعميم الأساسي رقم 165 الذي وُلد من رحم التعميم 150 الذي بموجبه تستطيع المصارف فتح حسابات بالدولار وبالليرة "الفريش". وفي المقابل يقدّم المصرف خدمات مصرفية تشمل شيكات وبطاقات دفع وائتمان وتحويل وتخضع هذه الحسابات لبعض الضوابط لجهة إيداع مبالغ لدى مقاصّة الشيكات لدى مصرف لبنان، ‏وإيداعات أخرى لتغطية بطاقات الدفع. ومن المتوقع أن تخضع هذه الحسابات لقواعد اشتباك تختلف بجوهرها عن تلك التي تُطبَّق على التعميم 150.

هذه الكيانات النقدية المستقلة التي ابتدعها مصرف لبنان منذ عام 2020 كانت ضرورية عندما كُلّف، بشكل غير رسمي، إدارة الأزمة. ولكن برأي فحيلي قد تتحول إلى نقمة في أي وقت بسبب غياب الرقابة وسوء الأداء والامتثال من بعض المصارف. لذا "من الضروري تبويب الحسابات المعنونة بالعملة الأجنبية وفق هذه التعاميم في دفاتر المصرف، لأن لكل منها شروطه وقواعد اشتباك معيّنة مع المودع، وإدارة تداعياتها على الاستقرار تختلف بين حساب وآخر".
‏يتجه مصرف لبنان اليوم إلى العودة إلى قانون النقد والتسليف في تأمين السحوبات من الحسابات بالدولار المحلي التي لا تستوفي شروط التعميم 158 (أي الحسابات التي تخضع لأحكام التعميم 151) لتكون على سعر الصرف الرسمي، وبذلك يكون تخلّى نهائياً عمّا يُسمّى اليوم الدولار المصرفي، بعدها يلجأ المركزي إلى إدارة السيولة، الحد من الضغوط التضخمية، والحد من المضاربة وعودة الاضطرابات إلى سعر الصرف.

توازياً، يؤكد فحيلي "إذا قامت السلطة السياسية بمسؤوليتها وأقرّت سعر الصرف الرسمي على 89500 ليرة، وهو سعر الصرف الأكثر حظاً اليوم، وتأمنت السحوبات على هذا السعر، ومع إصرار السلطة على عدم إقرار قانون الكابيتال كونترول، فستكون ثمة ‏تحديات عدة في إدارة السيولة من مصرف لبنان الذي قد يلجأ إلى فرض سقوف جديدة على السحوبات النقدية، وتحدّد بالدولار المحلي. ومن المؤكد أن هذا الإجراء لن يلقى ترحيباً من قبل أصحاب هذه الودائع، أو يذهب باتجاه تمكين المصارف من العودة إلى العمل بوسائل الدفع المتاحة من خلالها وتفعيل العمل بوسائل الدفع هذه للحد من ارتفاع حجم الأوراق النقدية بالتداول وما ‏قد ينتج عن ذلك من تداعيات سلبية"، لافتاً الى أن "خيارات مصرف لبنان لجهة إحداث أي تعديل بسعر صرف الدولار في تأمين السحوبات الاستثنائية تحت أحكام التعميم 151 محدودة جداً بغضّ النظر عن "الكلام المعسول" الذي نسمعه بين الحين والآخر".

ثلاثة عوامل أساسية ومترابطة تكبّل أيدي السلطة النقدية: غياب الإصلاحات، شبح التضخم، واضطرابات في سعر الصرف في السوق الموازية. وأسباب ذلك غياب تام لإرادة السلطة على إقرار وتنفيذ أي إصلاحات، والتاريخ خير شاهد على ذلك. الإصلاحات ضرورية اليوم للمحافظة على ما بقي من ثقة بالاقتصاد والنقد الوطني. أهم هذه الإصلاحات هي موازنة متوازنة توفر الإيرادات اللازمة لتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين اليوم، وتستثمر بالمشاريع الإنمائية من أجل مستقبل أفضل. هذا التوازن بين الإيرادات والنفقات في الموازنة هو الممر الإلزامي إلى الاستقرار بكل جوانبه. وليست صدفةً عودة الكلام عن سعر صرف السحوبات الاستثنائية في الوقت الذي تنصبّ فيه كل الجهود على مناقشة الموازنة وإقرارها. في ظل غياب الإصلاحات، شبح التضخم يبقى يخيّم فوق لبنان مع احتمال الانفجار المؤذي في أيّ لحظة، ولهذا السبب يحرص مصرف لبنان على الحد من الانفلاش والانفلات بالكتلة النقدية بالليرة اللبنانية.