المصدر: المدن
الكاتب: بتول يزبك
الاثنين 2 تشرين الثاني 2026 07:55:33
تتقدّم العلاقات اللبنانيّة السوريّة نحو مرحلة أكثر اتّساعًا من التعاون السياسيّ والمؤسّساتيّ، مع انتقال التفاهمات المتراكمة منذ سقوط نظام بشّار الأسد إلى مسارات تنفيذيّة تشمل الملفّات الأمنيّة والقضائيّة والإداريّة. وفي هذا السياق، يزور دمشق، اليوم الاثنين، أوسع وفد وزاريّ لبنانيّ من حيث التمثيل الوزاريّ منذ التغيير السياسيّ في سوريا، برئاسة نائب رئيس الحكومة طارق متري، وعضويّة أربعة وزراء تتّصل اختصاصاتهم مباشرةً بالقضايا العالقة بين البلدين. وتكتسب الزيارة أهميّتها من حجم التمثيل الحكوميّ وتعدّد الملفّات المطروحة، في ظلّ واقع إقليميّ جديد تفرض فيه التحوّلات السياسيّة والأمنيّة إعادة تنظيم المصالح المشتركة. وفي حديثه لـِ "المدن"، يعرض متري أولويّات المحادثات المتعلّقة بتنظيم الوجود السوريّ في لبنان، ويحدّد وزير الداخليّة أحمد الحجّار مجالات التعاون الأمنيّ، من ضبط الحدود إلى مكافحة الجريمة والتطرّف وتبادل المعلومات.
ويضمّ الوفد، إلى جانب متري، وزراء الداخليّة والبلديّات أحمد الحجّار، والعمل محمد حيدر، والتربية ريما كرامي، والشؤون الاجتماعيّة حنين السيّد. وتتيح هذه التركيبة عقد اجتماعات قطاعيّة مباشرة مع النظراء السوريّين، إلى جانب المحادثات الموسّعة، بما يعكس انتقال العلاقة الثنائيّة من التفاهمات السياسيّة العامّة إلى معالجة الملفّات وفق الاختصاصات الوزاريّة المعنيّة.
متري لـِ "المدن": تنظيم الوجود السوريّ أولويّة
يؤكّد نائب رئيس الحكومة طارق متري، في حديث إلى "المدن"، أنّ الزيارة تأتي استكمالًا لمسار من الحوار مع الجانب السوريّ، بهدف معالجة أوضاع المواطنين السوريّين المقيمين في لبنان ضمن مقاربة أكثر منهجيّة وشموليّة.
وتشمل المحادثات أوضاع النازحين العائدين إلى سوريا والذين لا يزالون في لبنان، وتنظيم العمالة، ومعالجة حالات الدخول غير النظاميّ. كما تتناول الأوراق الثبوتيّة والشهادات المدرسيّة، وإحصاء الأشخاص الذين دخلوا خلسةً، وتنظيم حركة الدخول والخروج عبر الحدود.
ويوضح متري أنّ الوفد اللبنانيّ يضمّ أربعة وزراء إلى جانبه، يقابلهم أربعة وزراء سوريّين، بما يتيح بحث القضايا المشتركة من جوانبها المختلفة، وتحديد الإجراءات المطلوبة لمعالجة المشكلات المتراكمة.
وفي ما يتعلّق بتوقيت الزيارة، وعلاقتها بالمفاوضات الإقليميّة، يشدّد متري على استقلال المسار السياسيّ والتفاوضيّ عن جدول المحادثات الوزاريّة. كما ينفي صحّة ما تردّد بشأن طلب سوريّ سابق لإشراك لبنان في المفاوضات أو إطلاعه على مجرياتها.
ولا يستبعد أن تتخلّل اللقاءات أحاديث عن التطوّرات السياسيّة، بما فيها الأوضاع السّياسيّة في المنطقة، لكنّه يؤكّد أنّ أولويّة البحث هي معالجة أوضاع السوريّين المقيمين مؤقّتًا في لبنان. وتستدعي هذه الملفّات إجراءات تتوزّع على وزارات وأجهزة مختلفة، وترتبط بالإقامة القانونيّة وحقوق العمل والاعتراف بالمستندات الرسميّة وشروط العودة والعبور. وهي مسائل تتطلّب تنسيقًا مباشرًا بين المؤسّسات المختصّة في البلدين.
تعاون أمنيّ على أعلى المستويات
وفي الشقّ الأمنيّ، يوضح وزير الداخليّة والبلديّات أحمد الحجّار لـ"المدن" أنّ المحادثات ستشمل القضايا ذات الاهتمام المشترك، وفي مقدّمها ملفّ النازحين وتسهيل الإجراءات بين البلدين.
ويقول الحجّار: "سأبحث مع نظيري السوريّ في الأمور الأمنيّة المشتركة، بما فيها موضوع الحدود والتنسيق الأمنيّ على أعلى المستويات، ومكافحة المخدّرات والجرائم الجنائيّة وتبادل المعلومات".
ويشدّد على أهميّة التعاون في مكافحة شبكات التطرّف ذات الامتدادات العابرة للحدود، بما يتطلّبه ذلك من تنسيق بين الأجهزة المختصّة.
ويحتلّ ضبط الحدود موقعًا أساسيًّا في هذا التعاون، نظرًا إلى ارتباطه بتنظيم حركة الأشخاص والعمالة والنازحين، فضلًا عن مكافحة التهريب والجريمة المنظّمة. وتقتضي معالجة هذه المسائل تطوير آليّات مشتركة لتبادل المعلومات وتحديد المسؤوليّات، وفق الأصول القانونيّة والاختصاصات السياديّة لكلّ دولة.
وتندرج هذه المحادثات في مسار إعادة تنظيم العلاقة الأمنيّة بين بيروت ودمشق، بما يتيح الانتقال من التفاهمات الظرفيّة إلى تعاون مؤسّساتيّ تحكمه مرجعيّات واضحة.
فلول النظام السابق: التسليم والاختصاص القضائيّ
ويحضر ملفّ الشخصيّات والعناصر المحسوبة على النظام السوريّ السابق ضمن القضايا الحسّاسة في العلاقة الثنائيّة، خصوصًا بعد المطالبات السوريّة السابقة بتسليم بعض الموجودين على الأراضي اللبنانيّة.
ويؤكّد متري لـِ "المدن" أنّ الوفد اللبنانيّ لن يبادر إلى إثارة هذا الملفّ، مع إمكان مناقشته إذا طرحه الجانب السوريّ.
ويشكّك في المعلومات المتداولة بشأن وجود لوائح بأسماء مطلوبين، موضحًا أنّ الحديث عنها تكرّر من دون أن يتبيّن وجودها فعليًّا، وفق معلوماته. ويشير إلى أنّ الطرفين لا يمتلكان معرفة دقيقة بهويّة جميع المحسوبين على النظام السابق، مستبعدًا أن يشكّل الموجودون منهم في لبنان قوّة قادرة على إسقاط السلطة السوريّة الجديدة.
وتعيد قضيّة علي كيالي، المعروف بمعراج أورال، طرح الإشكاليّات القانونيّة المتّصلة بهذا الملفّ. ففي تشرين الأوّل الماضي، تباينت الروايات بشأن توقيفه ونقله من لبنان إلى سوريا. وأفادت مصادر أمنيّة لبنانيّة بأنّ العمليّة جرت من دون علم السلطات اللبنانيّة، فيما نفت السفارة السوريّة في بيروت أيّ صلة لها بها.
وتتجاوز القضيّة هويّة الشخص المعنيّ إلى شروط التسليم القضائيّ، وحدود الاختصاص الإقليميّ، وضمانات الملاحقة. فتسليم المطلوبين يخضع لأصول قانونيّة محدّدة، ويستوجب احترام الصلاحيّات القضائيّة والسيادة الوطنيّة، بصرف النظر عن طبيعة التعاون الأمنيّ القائم بين الدولتين.
من تبادل الزيارات إلى تنفيذ التفاهمات
تأتي الزيارة امتدادًا لمسار سياسيّ ودبلوماسيّ بدأ بعد سقوط نظام بشّار الأسد في كانون الأوّل 2024، وفتح المجال أمام إعادة تنظيم العلاقات اللبنانيّة السوريّة على قاعدة احترام السيادة والمصالح المتبادلة.
ففي نيسان 2025، زار رئيس الحكومة نواف سلام دمشق والتقى الرئيس السوريّ أحمد الشرع. ثمّ زار وزير الخارجيّة السوريّ أسعد الشيباني بيروت في تشرين الأوّل من العام نفسه. وفي تشرين الثاني، زار متري العاصمة السوريّة، قبل أن يعود إليها سلام في أيّار 2026 على رأس وفد حكوميّ، لمتابعة التعاون الاقتصاديّ والتجاريّ والملفّات المشتركة.
وترافقت هذه الحركة الدبلوماسيّة مع خطوات عمليّة، أبرزها اتّفاق نقل المحكومين السوريّين، الذي وقّعه البلدان في شباط 2026. كما استمرّ العمل على ملفّات الحدود والمفقودين والموقوفين، ضمن مسار يهدف إلى معالجة القضايا العالقة عبر القنوات الرسميّة.
وتبرز زيارة الاثنين بوصفها مرحلة متقدّمة في هذا المسار، نظرًا إلى اتّساع التمثيل الوزاريّ وتنوّع الاختصاصات المشاركة. فالملفّات المطروحة تحتاج إلى قرارات إداريّة وقانونيّة متكاملة، تتجاوز نطاق وزارة واحدة، وتستوجب تعاونًا مباشرًا بين المؤسّسات اللبنانيّة والسوريّة.
وفي تفصيل سياسيّ لافت، يشارك وزير العمل محمد حيدر، المحسوب على الثنائيّ الشيعيّ، في الوفد اللبنانيّ، وسط استمرار التوتّر بين القيادة السوريّة الجديدة و"حزب الله".
وتوضح مصادر في الحزب لـِ "المدن" أنّ مشاركة حيدر تأتي ضمن اختصاصات وزارة العمل، وبصفته عضوًا في الحكومة اللبنانيّة، لا ممثّلًا عن الحزب.
وتعكس مشاركة الوزراء المعنيّين توجّهًا إلى معالجة الملفّات المشتركة عبر مؤسّسات الدولة، وفق الصلاحيّات التنفيذيّة لكلّ وزارة، بمعزل عن الانتماءات السياسيّة لأعضائها.
تنسيق مستمرّ في ظلّ التحوّلات الإقليميّة
تتزامن الزيارة مع مرحلة إقليميّة شديدة الحساسيّة، تشهد استمرار المفاوضات بشأن الترتيبات الأمنيّة والسياسيّة في المنطقة. فدمشق تواجه ضغوطًا متّصلة بمسار مفاوضاتها مع إسرائيل، فيما يخوض لبنان مساره التفاوضيّ الخاصّ، وسط الاعتداءات الإسرائيليّة المستمرّة على أراضيه.
ويستمرّ التنسيق بين بيروت ودمشق بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك، في ظلّ تشابك المصالح الأمنيّة والحدوديّة، وما تفرضه التطوّرات الإقليميّة من متابعة سياسيّة ودبلوماسيّة متواصلة. ولكلّ من البلدين أولويّاته في التعامل مع واشنطن وإسرائيل، ضمن مسارات تفاوضيّة مستقلّة، تتقاطع انعكاساتها مع الواقع الأمنيّ للمنطقة.
وتكتسب الزيارة أهميّتها من كونها جزءًا من واقع جديد للعلاقات اللبنانيّة السوريّة، قوامه تبادل الزيارات، وتوسيع مجالات التعاون، وتطوير التفاهمات بشأن القضايا العالقة. وفي صدارة هذه القضايا، تبرز مسائل النزوح والعودة وتنظيم العمالة وضبط الحدود والتنسيق الأمنيّ، بما تحمله من أعباء إداريّة ومقتضيات قانونيّة ومصالح متبادلة.
وعليه، تتّجه العلاقة بين بيروت ودمشق نحو مرحلة يُفترض أن تُقاس فيها نتائج التواصل الرسميّ بمدى تنفيذ التفاهمات، وتثبيت آليّات التعاون، وتسوية الملفات المتراكمة. فالتحوّل السياسيّ الذي شهدته سوريا فتح مسارًا جديدًا في العلاقة بين البلدين، أمّا استكماله فيرتبط بقدرة الحكومتين على ترجمة هذا المسار إلى اتفاقات وإجراءات مستدامة، تستند إلى السيادة المتبادلة وانتظام عمل المؤسّسات.