نتنياهو يفرض إيقاعه: تفاوض تحت النار لفصل لبنان عن إيران

رفضت إسرائيل وقف إطلاق النار في لبنان خلافًا لمضمون الاتفاق الإيراني–الأميركي الذي ترعاه باكستان. كما أنّها رفضت وحدة المسار التفاوضي بين بيروت وطهران وفقًا لما حدّدته إيران، فيما انسحبت الولايات المتحدة من تعهّدها تجاه لبنان، بالرغم من تأكيد الدولة الراعية أنّ وقف الحرب على لبنان مُدرج ضمن بنود الاتفاق.

جاء الردّ الإسرائيلي قاسيًا، في يومٍ دموي استُهدف فيه نحو 100 موقع عبر عشرات الغارات، وهذا ما أدّى إلى سقوط مئات الضحايا من المدنيين.

كان متوقّعًا أن تلقى إسرائيل رداً مماثلاً من قبل حزب الله. للوهلة الأولى، ساد الاعتقاد بأنّ السماء ستمطر صواريخ على أهداف إسرائيلية دقيقة. إلا أنّ حزب الله التزم وقفًا لإطلاق النار كي لا يُتَّهم بخرق اتفاق وعد أنه سيكون جزءا أساسياً منه، إفساحًا في المجال أمام المفاوضات، كما قال، ثم استأنف ردّه ولكن بوتيرة أقلّ مما كانت عليه بالتزامن مع الضربات الإيرانية على إسرائيل. تراجعت الجبهة، إمّا لحسابات لدى إيران وحزب الله، أو لأنّ طهران لا تريد إفساد اتفاق تاريخي كالذي أبرمته. صعدت إسرائيل عدوانها استفرداً بجبهة لبنان.

رفضت السلطة أن تكون طرفًا في اتفاق لم يُستشر فيه، وهو رفض يرتبط أيضًا برفض منح إيران دورًا في لبنان وإخراجها، ومعها حزب الله، منتصرة من الحرب. في المقابل، استمرّ العدوان الإسرائيلي، مع تهديد برفع وتيرة الغارات وتوسيع دائرة الاستهداف لتشمل مزيدًا من المناطق، حتى باتت بيروت هدفًا دائمًا.

ناشدت الدولة اللبنانية استعدادها للتفاوض، فتجاوبت إسرائيل، وأعلن رئيس حكومتها استعداده للتفاوض "تحت النار" وحول سلاح حزب الله. إلا أنّ الدولة اللبنانية، التي لم تتلقَّ دعوة رسمية بعد، اشترطت أن يكون التفاوض مشابهًا لاتفاق باكستان، أي بعد وقف إطلاق النار، وحدّدت دفتر مطالبها.

 

وبغضّ النظر عمّا إذا كان لبنان سيقبل التفاوض تحت النار بذريعة وقف الحرب بأي ثمن، فإنّ بنيامين نتنياهو، المنزعج من اتفاق دونالد ترامب مع إيران، سعى إلى فرض الفصل بين جبهتي إيران ولبنان، ثم "قوطبة" على مسار مفاوضات باكستان بردّه على ما طرحته الدولة اللبنانية من تنازلات تبدأ بالتفاوض المباشر.

وبذلك، يكون قد منح الولايات المتحدة مبرّرًا لرفض طلب إيران بإدراج لبنان في المفاوضات، على اعتبار أنّه سيدخل في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.

 

في أول ردّ فعل متوقّع، طلب حزب الله من الدولة عدم قبول مبدأ التفاوض تحت النار، ويرى مقرّبون أنّ عرضًا كهذا يهدف إلى التهرّب من الالتزام بشرط وقف إطلاق النار الذي تتبنّاه طهران بشأن لبنان كمدخل لأي تفاوض مع واشنطن.

وسيكون قبول الدولة بهذا الطرح مثار خلاف عميق وأزمة داخلية، في ظلّ سقوط عشرات الشهداء جرّاء العدوان المستمر، فضلًا عن أنّ التفاوض الذي يريده نتنياهو يهدف أساسًا إلى "نزع سلاح حزب الله" وهو عنوان انقسام داخلي. والأخطر ما أوردته صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، التي تحدثت عن أفكار لتسوية أوسع يكون نزع سلاح الحزب جزءًا محوريًا منها.

ووفقًا للصحيفة، يُناقش احتمال اعتماد مقاربة مركّبة. فإذا عجز الجيش اللبناني عن تنفيذ هذه المهمة بمفرده، ورفض حزب الله القيام بها طوعًا، قد يُبحث مستقبلًا نموذج يقوم على عمل متوازٍ أو منسّق بين الجيشين الإسرائيلي واللبناني".

 

في موازاة ذلك، أشادت إسرائيل بخطوة الحكومة اعتبار بيروت مدينة منزوعة السلاح. والأهم أنّ لبنان يتجه إلى التفاوض في ظلّ قرارات حكومية اعتبرت المقاومة خارجة عن القانون، وعناصرها عرضة للملاحقة والتوقيف.

 

يبقى تجاوب إسرائيل مع دعوة لبنان إلى التفاوض موضع شكّ، في ظلّ سوابق الرفض المتكرّر، كما أنّه سيصطدم برفض حزب الله، ولن تقبله إيران ما لم يندرج ضمن تسوية إقليمية شاملة، إذ سيُعدّ استفرادًا بلبنان ومحاولة لتحقيق ما عجزت عنه إسرائيل بالحرب عبر التفاوض.

ختامًا، لا يبدو أنّ ما يُطرح اليوم هو مسار تفاوضي متكافئ بقدر ما هو محاولة لفرض وقائع سياسية وأمنية تحت ضغط النار. فالتفاوض في ظلّ القصف لا يُنتج تسويات عادلة، بل يُكرّس موازين قوى مختلّة ويضع لبنان أمام خيارات قسرية تمسّ سيادته واستقراره الداخلي. وبين إصرار إسرائيل على فرض شروطها، وتمسّك إيران بربط الساحات، ورفض حزب الله لأي تنازل تحت النار، تجد الدولة اللبنانية نفسها في موقع بالغ الهشاشة، مهدّدة بانقسام داخلي عميق إذا ما انزلقت إلى مسار تفاوضي غير محسوب.

وعليه، فإنّ الأولوية الوطنية لا يمكن أن تكون سوى فرض وقفٍ فوري لإطلاق النار كمدخل إلزامي لأي تفاوض، وصون وحدة الموقف الداخلي، ومنع تحويل لبنان إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية. فبدون ذلك، لن يكون التفاوض طريقًا إلى الحل، بل بوابةً لمزيد من الأزمات والانكشاف.