هل تدفع صواريخ إيران دمشق إلى مواجهة مباشرة مع "الحزب"؟

لم يعد الصراع الإقليمي في الشرق الأوسط مجرد حرب بالوكالة تُدار خلف الكواليس الجيوسياسية المعتادة، بل تحوّل إلى صدام بري وصاروخي مباشر فوق الجغرافيا السورية التي تشهد ولادة عهد جديد. الهجوم الصاروخي الذي شنّه الحرس الثوري الإيراني أمس، مستهدفاً منطقة التنف في البادية السورية، يمثل تصعيداً دراماتيكياً يعيد خلط الأوراق الأمنية بالكامل، ويدفع بالعلاقات السورية - الإيرانية نحو نقطة اللاعودة.

يأتي هذا القصف الصاروخي غداة إعلان وزارة الداخلية السورية الانتقالية عن إحباط أضخم عملية تهريب أسلحة متطورة كانت مخبأة بعناية داخل صهاريج وقود قادمة من العراق ومتجهة إلى الأراضي اللبنانية. البيان السوري الرسمي لم يكن عادياً في صياغته؛ إذ وصف حزب الله صراحة بـ «الميليشيا الإرهابية»، في تحوّل جوهري يقطع بالكامل مع إرث النظام السابق الذي طالما شكّل الرئة اللوجستية والعمق الاستراتيجي لمحور طهران. هذا التزامن الساخن بين إحباط التهريب والقصف الصاروخي يطرح السؤال الأكثر إلحاحاً في دوائر القرار الاستخباراتي والدبلوماسي: هل تكون صواريخ طهران واختراق سيادة دمشق سبباً لاستدراج سوريا الانتقالية عسكرياً للدخول في مواجهة مباشرة لحظر تمدد حزب الله؟

• صواريخ التنف: رسائل طهران النارية لدمشق الجديدة

القصف الإيراني الذي استهدف التنف اليوم ليس مجرد رد فعل معزول على ضربات إقليمية، بل هو رسالة ضغط نارية مباشرة موجهة إلى رئيس الحكومة الانتقالية السورية، أحمد الشرع، وقيادة المرحلة الجديدة في دمشق. تسعى طهران من خلال هذه الصواريخ إلى تثبيت معادلة مفادها أن سقوط نظام الأسد وتسلّم سلطة جديدة في دمشق لن يمنعها من استباحة الأجواء والأراضي السورية لتصفية حساباتها الإقليمية والدفاع عن ممراتها الاستراتيجية.

وتدرك طهران جيداً أن التشدّد الأمني السوري الأخير على الحدود العراقية (معبر التنف) والحدود اللبنانية بات يهدّد الوجود العسكري واللوجستي لحزب الله تهديداً وجودياً. فحزب الله، الذي يعاني من ضغط عسكري هائل وتطويق أمني واستخباراتي إقليمي، بات عاجزاً عن تأمين خطوط إمداده التقليدية دون الغطاء السوري. ومن هنا، جاء القصف الصاروخي الإيراني كمحاولة لخلخلة السيطرة الأمنية السورية على الحدود الشرقية، وتوجيه تحذير شديد اللهجة لدمشق من مغبة المضي قدماً في تفكيك بنية المحور.

• كوابح دمشق: لماذا تُستبعد الحرب الشاملة والمباشرة؟

رغم الغضب السوري العارم من انتهاك السيادة وصدمة شحنات الأسلحة المهرّبة، يرى الخبراء والمحللون العسكريون أن سوريا لن تنجر إلى «غزو» أو «حرب نظامية مفتوحة» ضد حزب الله داخل لبنان. دمشق محكومة بحسابات استراتيجية دقيقة تمنعها من ابتلاع هذا الطعم، وتتمثل في ثلاثة كوابح أساسية:

- حماية التعافي الوطني الهش: تضع الحكومة السورية الانتقالية في مقدمة أولوياتها إعادة الإعمار، وتثبيت الأمن الداخلي، وتنشيط الاقتصاد لجذب الاستثمارات الإقليمية والدولية. الدخول في مواجهة هجومية عسكرية مع تنظيم مسلح متمرس مثل حزب الله، مدعوم بترسانة صاروخية إيرانية، سيعني نسف هذه الجهود وعودة سوريا إلى مربع الحروب المدمرة والدمار الشامل.جولات سياحية

- استراتيجية الإقليم والحياد النشط: تتلقى دمشق نصائح ودفعاً قوياً من قوى إقليمية وازنة، على رأسها السعودية وتركيا ومصر، للحفاظ على حالة «الحياد الإيجابي». هذه الدول تقدم لدمشق غطاءً دبلوماسياً واقتصادياً كبيراً شريطة عدم الانزلاق كطرف مباشر في الصراع الإقليمي الدائر، وتجنيب الجيش السوري معارك استنزاف خارجية.

- الأولويات الأمنية الداخلية: يركّز الجيش السوري جهوده الأمنية والعسكرية في هذه المرحلة على ضبط الجبهات الشمالية والشرقية المتاخمة لمناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وملاحقة خلايا التطرف، مما يجعل فتح جبهة عسكرية خارجية عبئاً عسكرياً تفوق قدرة الدولة السورية على تحمله حالياً.

«حرب الخنق» الاستخباراتية والأمنية: البديل الفعّالهيئات تنفيذية

إذا كانت الحرب العسكرية النظامية المباشرة مستبعدة، فإن البديل السوري الأكثر فتكاً هو تفعيل «حرب الخنق الأمني والاستخباراتي» الصامتة ضد الحزب وحلفائه. صواريخ اليوم ومحاولات التهريب المحبطة ستسرّع وتيرة هذه الاستراتيجية التي تعتمد على ثلاثة مسارات:

- القبضة الحديدية على المعابر والحدود: ستعمد دمشق إلى عزل الجغرافيا اللبنانية عن العراقية عبر تشديد المراقبة التقنية والعسكرية على طول الحدود السورية - العراقية بالتعاون مع شركاء دوليين، واعتبار أي محاولة تسلل أو تهريب بمثابة عمل عدائي موجه ضد الأمن القومي السوري يُجابه بحزم واستهداف فوري.

- تفكيك الخلايا ومصادرة المخازن بالداخل: ستشهد ريف دمشق، والقلمون، وحمص، والجنوب السوري حملات أمنية ومداهمات غير مسبوقة لتفكيك البنية التحتية والمستودعات السرية التي تتبع لحزب الله وإيران، لمنع استخدام هذه المناطق كقواعد انطلاق للصواريخ والمسيّرات التي تجلب الردود الإسرائيلية والتدمير للمنشآت السورية.

- بناء مظلة دفاعية إقليمية ودولية: ستستغل دمشق القصف الإيراني اليوم لتسريع تنسيقها الأمني مع القوى الإقليمية والدولية الفاعلة لتأمين منظومات دفاع جوي ورادارات تحمي الأجواء السيادية السورية من الهجمات الصاروخية العابرة، مما يقلص مساحة المناورة الإيرانية داخل سوريا.

• أفق الصراع: طعنة استراتيجية في الخاصرة

في المحصلة، لن تندفع دمشق إلى مستنقع مواجهة عسكرية كلاسيكية مفتوحة عابرة للحدود ضد حزب الله في لبنان؛ فالقيادة الانتقالية السورية تدرك حجم المخاطر وتفضل التركيز على بناء الدولة من الداخل.سياسة

لكن المفارقة تكمن في أن الأداء الأمني والاستخباراتي السوري الحالي يحقق نتائج تفوق في خطورتها المواجهات العسكرية التقليدية. فالقصف الصاروخي الإيراني لضرب السيادة السورية اليوم، ومحاولات التهريب الفاشلة، لم تزد القيادة السورية إلا إصراراً على تشديد الخناق وإغلاق الحدود بالكامل. هذا «الخنق البنيوي الصامت» يمثل طعنة استراتيجية كبرى في خاصرة حزب الله اللوجستية، ويضعه تدريجياً أمام واقع ميداني معقد يتسم بعزلة جغرافية تامة تجفف منابع قوته في اللحظة الأكثر حرجاً من تاريخه.