واشنطن تَستبعد حرباً وتَنقل تحذيراً إسرائيلياً... "الاعتداء الواحد سنردّ عليه بعشرة"

فيما أطلق لبنان دبلوماسية متعددة الاتجاه في محاولة لخفض التصعيد الإسرائيلي ووقْف اندفاعة النار الأخطر منذ توقيع «الاتفاق الإطار» برعاية الولايات المتحدة (26 يونيو)، وعلى وقع الغموض الكبير الذي يلفّ خلفية مضيّ تل أبيب بخطواتٍ «توسعية» شمال نهر الليطاني، وجّه السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، رسالة شديدة الوضوح حمّل فيها «حزب الله» مسؤولية استدراجِ «ردٍّ» من تل أبيب على «اعتداءاتٍ لم تبدأ هي بها»، راسماً معادلة «إذا لم تعتدوا فالإسرائيلي لن يردّ عليكم، ولكن اعتداءً واحداً سيردّ عليه بعشرة».

واكتسب هذا الموقف أهميته لاعتباراتٍ عدة، في الشكل والمضمون:

- فموقف عيسى، جاء من مقرّ المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى حيث التقى أمس نائبَ رئيسه الشيخ علي الخطيب، على وهج الأيام الثلاثة السابقة من عاصفة نار إسرائيلية تسببتْ بسقوط نحو 30 ضحية و70 جريحاً في جنوب لبنان في أعقاب إسقاطها تلة علي الطاهر الإستراتيجية.
- أنه أول كلام أميركي بعد التصعيد الإسرائيلي الكبير، وقد اعتُبر بمثابةِ غطاءٍ له من دون أن يعني ذلك بأي حال ضوءاً أخضر لحرب كبيرة، أعلن عيسى، رداً على سؤال أنها ليست مطروحة فـ «ما في حرب»، بما عَكَسَ أن الولايات المتحدة تتفهّم الديناميةَ الميدانية الجديدة التي فرضتْها تل أبيب «ما بعد علي الطاهر»، وتبرّر «القسوة» الإسرائيلية المفرطة وفق معادلة «الاعتداء واحد بردّ أقوى بعشر مرات» والتي أكد أنه سمعها من إسرائيل التي زارَها قبل أسبوع والتقى رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، ما يعني أن هذا الجوّ تم نقله إلى المسؤولين اللبنانيين.

- أن موقفَ عيسى، لم يبدّد الضبابية التي تحوط بأبعاد ترسيم إسرائيل ما بدا حدود ملعب نار جديد راوحت التقديرات بإزائه بين أنه:

إما تمهيد لتوسيع رقعة «المنطقة الأمنية» وتالياً الخط الأصفر نحو مدينة النبطية وربما في اتجاه إقليم التفاح ومرتفعاتها وصولاً إلى جزين فالبقاع الغربي، ولو وفق سيناريو الإنهاك الذي اعتُمد في «علي الطاهر»، مستفيدة من ملامح «القيود» التي تَمنع حزب الله من خوض معارك ضارية لمنع قواتها من التقدم، وهي قيود تتشابك فيها مقتضياتُ إدارةٍ إيران «محفظة استثماراتها» العسكرية المستنزَفة في ساحات نفوذها المتآكل، مع فقدان الحزب أدوات الردع والردّ «الثقيلة» و«ضمور عضلاته» العسكرية بفعل الضربات المتوالية منذ حرب خريف 2024 ثم شتاء - ربيع 2026، الأمر الذي بدأ بتظهيره على طريقته عبر سرديةٍ جديدةٍ تبرّر «دومينو» سقوط نقاط إستراتيجية له شمال الليطاني.

وإما أن تل أبيب التي تعرف أنها «ممنوعة» من حرب كبيرة - تعتبرها واشنطن غير متناسبة مع «اعتداءات» حزب الله على القوات الإسرائيلية داخل لبنان ولا مناسبة للحظة المفصلية على جبهة إيران - تسعى إلى إقامة ما يشبه «ماتريوشكا» المناطق الأمنية، بحيث إن «المنطقة الأم» (داخل الخط الأصفر) تحميها مناطق أصغر تكون واقعياً خطوط دفاع عنها، ونطاقاتٍ لمناطق تجريبية جديدة، متى استؤنفت المفاوضات المباشرة مع بيروت في الثلث الأخير من الشهر الجاري، بحيث «تَحمي» وتؤخر ما أمكن الانسحاب من منطقة الـ 700 كيلومتر مربع ريثما يكون تبلور أفق السحب الجدي لسلاح الحزب ربطاً بمآلات المواجهة بين طهران والولايات المتحدة.

- ان السفير الأميركي لم يعطِ أي إشارة إلى أنه يعمل على ردع الإسرائيليين عن المزيد من التصعيد وهو قال بوضوح رداً على سؤال حول مجزرة كفررمان «وإلى متى ستبقى الاعتداءات الإسرائيلية وهل طلبت واشنطن وقفها؟»: «عندما تقول اعتداءات، هل تعلم مَن بدأ ومَن ردّ؟ بالنسبة إلينا الاعتداءات حصلت، لأن الأمر بدأ من فريقٍ والثاني ردّ عليه. يعني أنتم دائماً تنسون وتتعاطون مع الاعتداءات وكأنها انطلقت من الإسرائيليين ولا تأتون على ذكر مَن بدأ أولاً. وقلنا منذ زمن: إذا لم تعتدوا، فالإسرائيلي لن يردّ عليكم، ولكن إذا اعتديتم فالإسرائيلي سيرد بقوة، وهذا ما فهمتُه من الإسرائيليين. وتالياً على الذين يعتدون على الإسرائيلي أن يعرفوا أن اعتداءهم إذا كان واحداً، فالإسرائيلي سيردّ بعشرة».

- ان السفير الأميركي وجّه رسالة لافتة إلى البيئة الشيعية «التي لا نريد إلا مصلحتها»، محمّلاً حزب الله دون تسميته مسؤولية أنه «لا يفهم أن مصلحتها بأن يتفهّم ما هي مسؤولياته».

وقال: «التقيت بسماحته وكان لقاء مهماً جداً، لأنه بالنسبة للبيئة الشيعية هي المتأثرة بالذي يحصل في لبنان، وبما أن هذه البيئة هي المتأثر الأكبر يهمني أن أعرف رأي الأشخاص الذين يمثلونها. تحدثنا بأمور مهمة في كيفية المساعدة لإيصال الرسالة الأميركية لهذه البيئة، التي نقول لها إننا نحاول أن نفهمها بطريقة صحيحة لأننا لا نريد إلا مصلحتها كي يعود الجنوب لأصحابه وأن يعود الناس إلى قراهم ومنازلهم، ولكن في الوقت نفسه، لدينا مشكلة أننا لا نستطيع الوصول إلى نتيجة مع قسم من هذه البيئة، وأن صالحها هو أن يفهم هذا القسم ما مسؤولياته».

- ان عيسى كرّر إيضاح موقفه من مسألة التفاوض مع «حزب الله»، موضحاً أنه «تم فهم التصريح بطريقة خاطئة، فأنا قصدت أن الدولة اللبنانية هي التي تفاوض لمصلحة لبنان، وأننا مستعدون للتفاوض معهم عن طريق الدولة اللبنانية لإيصال ما يمكننا إيصاله»، لافتاً إلى «اننا وسطاء في المفاوضات (بين لبنان وإسرائيل)».

- ان السفير الأميركي حسم أن الجولة الثامنة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية لن تُعقد قبل الاجتماع التحضيري لمؤتمر دعم القوات المسلحة اللبنانية الذي يُعقد في 17 الجاري في باريس، حيث أوضح أن المؤتمر كان مقرراً حصوله في مارس و«الآن نحاول أن نجعله يتقدّم من جديد كي نرى المساعدة التي يمكن أن نقدّمها للجيش اللبناني»، مؤكداً دعم المؤتمر «وكل من يريد أن نساعد لبنان، نساعد معه»، ولافتاً إلى أنه لا ضرورة لعقد جولة التفاوض الجديدة قبل اجتماع باريس وموضحاً أن «ما سيَخرج عنه سيكون محل تقييم لنرى كيف سيمكن الاستفادة منه وإدخاله في المفاوضات».

- ان عيسى تفادى التعليق على التقارير الإسرائيلية عن اتجاه لتقليص المنطقة الأمنية واعتماد «خط رمادي» يضم شريطاً بعمق نحو 5 كيلومترات جنوب لبنان، معلناً«لا أعرف» سمعتُ هذه الأخبار منذ يومين. وإسرائيل«صار عندها كثير ألوان، أنا مش ملحّق عليهم».

ويُذكر أن العلامة الخطيب شدّد على«ضرورة أن يكون للولايات المتحدة دور عادل ومتوازن على الأقل من أجل معالجة الأزمة»، مؤكداً أن«الشيعة ليسوا إرهابيين، ولم يحملوا السلاح رفاهية وانما بسبب الاحتلال الإسرائيلي، وهم مستعدون اليوم لمعالجة هذا الموضوع إذا توفرت الضمانة والحماية لهم، بما يؤدي إلى طمأنتهم على مستقبلهم ومصيرهم»، داعياً الإدارة الاميركية الى«الضغط على إسرائيل للقيام ولو بخطوة تفتح الطريق أمام البحث في إستراتيجية الأمن الوطني الذي دعا إليها رئيس الجمهورية»، ومشيراً إلى أن«اتفاق الاطار فشل في تحقيق أي خطوة من هذا النوع».