المصدر: eremnews
الاثنين 4 أيار 2026 16:02:34
يجد لبنان نفسه اليوم عالقاً في عين العاصفة، مكبّلاً بين سندان ضغوط "دبلوماسية القمم" التي يمارسها البيت الأبيض، ومطرقة الانقسامات الداخلية العميقة التي ترهن حلم السلام بتوافق وطني لا يزال بعيد المنال.
هذا المشهد المعقد يأتي في وقت شديد الحساسية، حيث تسعى بيروت جاهدة لتثبيت دعائم التهدئة مع إسرائيل، وهو المسار الذي بدأ يتبلور عبر انعقاد جولات مفاوضات تحضيرية على مستوى السفراء في واشنطن، إلا أن هذه الخطوات الدبلوماسية لا تزال تصطدم بواقع ميداني متفجر وقراءات سياسية متباينة بين الأطراف المعنية.
وبرغم مرونة الرئيس اللبناني تجاه مبدأ التفاوض، فإنه يبدي تحفظاً مبرراً على التوقيت الذي يفرضه دونالد ترامب.
فبينما يستعجل الرئيس الأمريكي ترتيب قمة في البيت الأبيض تجمعه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال الأسبوعين القادمين، يرى الجانب اللبناني أن شروط الجلوس على طاولة واحدة لم تكتمل بعد، خاصة مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية رغم تمديد وقف إطلاق النار.
هذا التناقض بين الاندفاعة الأمريكية للظفر بنصر دبلوماسي سريع، وبين الحذر اللبناني الناجم عن استمرار نزيف الميدان، يضع "دبلوماسية القمم" في مواجهة مباشرة مع اختبار المصداقية والقدرة على لجم التصعيد.
حالة من الانفصام السياسي
وفي سياق القراءة الاستراتيجية للمشهد اللبناني، يجمع الخبراء على أن لبنان يعيش حالة من الانفصام السياسي بين طموحات رسمية لتحقيق سلام "بلا سيوف" يحمي البلاد من ويلات الحرب، وبين واقع داخلي منقسم بحدة.
وأشاروا في حديث لـ"إرم نيوز" إلى أن الفرقاء اللبنانيين يتوزعون بين تيار يرى في التفاوض مخرجاً وجودياً وضرورة لترميم الدولة المنهكة بالأزمات، وتيار آخر يرفض الانخراط في أي مسار تحت الضغط العسكري، على اعتبار أن التفاوض في ظل استمرار الهجمات هو نوع من الإذعان.
هذا الشرخ الوطني، كما يراه الخبراء، يحوّل حلم الاستقرار إلى رهينة التجاذبات السياسية، مما يجعل أي اتفاق محتمل يفتقر إلى الحاضنة الشعبية والسياسية اللازمة لاستدامته.
وكانت التصريحات التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال الجولة الثانية من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية على مستوى السفراء، قد أظهرت إصرار واشنطن على فرض إيقاع زمني سريع للمفاوضات، يتجاهل في كثير من الأحيان تعقيدات الداخل اللبناني وارتفاع وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية الميدانية.
وخلال الأسبوعين الماضيين، برز استعجال ترامب في تطلعه لاستضافة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس لبنان جوزيف عون في البيت الأبيض لإبرام اتفاق سلام بين البلدين، الأمر الذي لا يوافق عليه الرئيس اللبناني، إذ يشترط قبل حدوث أي لقاء أو اتفاق انسحاب الجيش الإسرائيلي من جميع الأراضي اللبنانية التي احتلها، بالإضافة إلى وقف الاعتداءات وتحرير الأسرى.
ويؤكد المحلل السياسي طانيوس صبري الحاج أن تجاهل ضرورة ترسيخ التهدئة عبر منع إسرائيل من الاستمرار في هجماتها، والقفز فوق الواقع الميداني المتفجر في لبنان بهدف الوصول إلى اتفاق سلام سريع بين لبنان وإسرائيل، قد يؤدي إلى نتائج عكسية.
رسائل سلبية للشارع اللبناني
وأوضح المحلل الحاج في تصريح لـ"إرم نيوز" أن استمرار الهجمات الإسرائيلية رغم التمديد للهدنة يبعث برسائل سلبية للشارع اللبناني المتردد أصلاً، ويُضعف موقف المفاوض الرسمي.
وأشار إلى أن هذا الوضع يجعل لبنان أمام خيارين: إما القبول بعقد لقاء بين عون ونتنياهو "تحت النار" لإرضاء الجانب الأمريكي، أو التمسك بموقف مبدئي قد يؤدي إلى انهيار وقف إطلاق النار الهش والعودة إلى دوامة الصراع المفتوح.
من جانبه، قال المحلل السياسي لطفي الزغيّر إن المعطيات الحالية تشير إلى أننا أمام سيناريو "عضّ أصابع" دبلوماسي، حيث يتواجه اندفاع ترامب لتحقيق إنجاز سريع مع تعقيدات الميدان اللبناني.
وأضاف في حديث لـ"إرم نيوز" أنه من الصعوبة بمكان تصور قبول لبنان الرسمي بقمة في البيت الأبيض، بينما لا تزال الهجمات الإسرائيلية مستمرة رغم تمديد الهدنة، مؤكداً أن قبول الرئيس جوزيف عون بلقاء نتنياهو "تحت النار" سيُعد انتحاراً سياسياً أمام الجبهة الداخلية، ما لم تنجح واشنطن في انتزاع وقف إطلاق نار "شامل وحقيقي" كبادرة حسن نية تسبق القمة.
وأشار إلى أن الضغط الأمريكي قد ينجح في جلب القادة إلى واشنطن، لكنه قد يفشل في جلب "الوفاق الوطني" معهم، مما يعني أن أي تسوية تُنتزع بالضغط الخارجي دون غطاء داخلي واسع قد تولد ميتة، حيث سيستغل التيار الرافض للمفاوضات استمرار الهجمات الإسرائيلية لتصوير القمة كفعل "إذعان"، مما قد يؤدي إلى انفجار الأزمة داخلياً بدلاً من حلها.
وفي ضوء الآراء السابقة للمحللين، فإن ترامب قد ينجح في الضغط لعقد القمة كحدث بروتوكولي، لكن تحويلها إلى "تسوية مستدامة" يتطلب تنازلات جوهرية من الجانب الإسرائيلي بوقف العمليات العسكرية فوراً، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.