اللبنانيّون مهدّدون بمساكنهم... لا بيوت للإيجار إلّا بالدولار أو بملايين الليرات!

كتبت أسرار شبارو في النهار:

أزمة جديدة بدأت تستفحل في لبنان، هي نتاج مجموعة الأزمات التي عصفت بالبلد منذ مدّة، على رأسها انهيار سعر صرف الليرة، فقد بات اللبنانيّ مهدّداً بسببها بخسارة المنزل الذي يأويه، مع رفع المالكين بدلات الإيجار، إلى حدّ جنونيّ، مقارنة بالرواتب التي لا تزال تدفع حتّى الآن.

عائلات عدّة لم تجد حلولاً للمعضلة، سوى بالتخلّي عن السقف الذي كان يأويها، منهم من باع أساس منزله وعاد أدراجه ليسكن مع زوجته وأولاده في منزل أهله، ومنهم من لا يزال يبحث عن مسكن أصغر، حتّى وإن كان غرفة أو اثنتين بسعر يناسب راتبه.
دوّامة مؤلمة
"الوجع كبير والقلق أكبر" بحسب ما قاله منير الخليل لـ"النهار" شارحاً: "بعد شهرين ينتهي عقد إيجار منزلي، والمالك يطلب رفع البدل الشهري من 675 ألف ليرة، أي ما كان يعادل 450 دولاراً على سعر صرف الـ1500 ليرة إلى مليوني ليرة، وأنا موظّف راتبي مليونان ونصف المليون ليرة، كيف لي أن أتحمّل هكذا زيادة، هو يقول انّ الإيجار الجديد لا يصل الى 120 دولاراً، وأنّ ملكه هو مدخوله الوحيد، طالباً منّي البحث عن مسكن جديد إن لم يكن بإمكاني تحمّل المبلغ، أحاول البحث عن جدران تقيني وعائلتي من الشارع، لكن للأسف، معظم المالكين يسعّرون شققهم بالدولار كي يحفظوا أنفسهم من تلاعب سعر صرفه، ومن يدفع ثمن كلّ ما يحصل في لبنان هو الفقير الذي لا تهتمّ الدولة إلى وضعه، وليس عنده مغتربين خارج البلد يدعمونه بالعملة الصعبة".
عروض قليلة وأسعار باهظة
"بدع" كثيرة ظهرت خلال الأزمة، منها من يطلب عقد إيجار تصاعديّ، أي بدل إيجار قابل للزيادة في حال ارتفع سعر صرف الدولار، عن ذلك علّقت منال، إحدى اللواتي واجهن هذه المشكلة مع مالكة المنزل حيث قالت: "منذ 15 سنة وأنا أسكن في المنزل ذاته مع ابنتي لقاء بدل إيجار وقدره 650 دولاراً على سعر صرف الـ1500 ليرة، حتى وصل الأمر إلى عدم توقيعي ومالكته العقد، لكن قبل أشهر طلبت رفع المبلغ إلى مليونين ونصف المليون ليرة، وتوقيع عقد تصاعديّ، وبعد مناقشات طويلة رفضت ان يكون تصاعديّاً أو تنازليّاً في حال انخفض #سعر الصرف، أي أنّها تريد أن تحفظ حقّها وحدها، بحثت كثيراً عن منزل آخر، لكن للأسف العروض قليلة والأسعار مرتفعة، ومعظمها بالدولار، وإلى الآن أعيش في قلق، ولا أعلم على أيّ اتّفاق سأرسو".
لحلّ رضائيّ
رئيس نقابة مالكي العقارات والأبنية المؤجّرة باتريك رزق الله، اعتبر أنّ المالكين لا يزالون يعانون من بدلات الإيجار القديمة، وزاد الطين بلّة الإيجارات الجديدة التي فقدت قيمتها مع انهيار سعر صرف الليرة، ما ذكّر المالك بالمشكلة القديمة، مشيراً إلى أنّ "المالكين الجدد خسروا 90 في المئة من قيمة الإيجارات الجديدة، مع العلم انّ المالك يؤجّر ملكه لكي يعيش، في وقت لم تبالِ الدولة بالمشكلة ولم تتدخّل، وفوق هذا بدأ التحريض علينا بوضع الإيجار لدى كاتب العدل على سعر صرف الـ1500 ليرة، مع العلم انّ فاتورة المولّد الكهربائيّ باتت تزيد عن بدل الإيجار بنحو 4 أضعاف، وصحيفة البنزين زادت 10 أضعاف، كذلك كلّ أسعار السلع والخدمات، "مشدّداً" نحن نعلم وضع اللبنانيين الذين يقبضون رواتبهم بالعملة اللبنانية، من هنا دعَونا إلى حلّ رضائيّ بين الطرفين، لكن أن نقبض على السعر القديم من دون زيادات هذا أمر مرفوض".
"اختنقنا"
وأضاف رزق الله: "نعم نحن نقدّم خدمة لها بعد اجتماعي، لكن اختنقنا"، وعن انخفاض العرض على البيوت المستأجرة شرح "لأنّ معظم المالكين يخشون من أن يعاني ما يعانيه أصحاب الإيجارات القديمة، لذلك يفضّلون الانكفاء عن التأجير، فلا يوجد سعر رسميّ كي يحرّرون العقد على أساسه، كما أنّ تقييد حقّ الملكية لسنوات، لا بل لعقود أدّى الى انكفاء المالكين عن التأجير، لا بل حتّى انكفاء البناء للتأجير".
من يتحمّل مسؤولية المشكلة بحسب رزق الله: "طرفان، الطرف الاول هو الدولة اللبنانية التي تركت قانون الإيجارات القديمة، والتي تشاهد اللبنانيين يتخبّطون بأسعار صرف الدولار من دون تحريك ساكن، أمّا الطرف الثاني فبعض لجان المستأجرين الذي يحرّضون منذ سنوات ضدّ حقّ الملكية والمالكين، وأوصلولنا وإلى ضرب خدمة الإيجار".
التخبّط في "المستنقع"
من جانبها اعتبرت المستشارة القانونية للجنة الأهلية لحماية المستأجرين، المحامية مايا جعارة في حديث لـ"النهار" أنّ "العقود المعقودة سابقة، وما تزال سارية الدفع على سعر صرف الـ1500 ليرة، أمّا في ما يتعلّق بالعقود الجديدة، فهناك اتّجاه لدى المالكين لطلب بدل الإيجار بالدولار، والقانون لا يمنع ذلك كون العقد شريعة المتعاقدين"، لافتة إلى أنّه "معظم الموظّفين لم يحصلوا على زيادة راتب ما يعني انّ عدداً كبيراً منهم لن يتمكّن عند إنهاء عقد إيجاره من دفع بدل الإيجار الجديد أو الانتقال الى مسكن آخر، من هنا نرى أنّ عدداً من المستأجرين عادوا إلى منازل أهاليهم، كما تضطرّ عائلات عديدة إلى السكن في منزل واحد، وإذا استمرّت المشكلة من دون حلّ لا أعلم إلى أين ستتّجه الأمور".
وشدّدت جعارة على أنّ المواثيق الدوليّة تفرض تقسيم الراتب إلى ثلاثة أقسام "ثلث للمأكل والمشرب والملبس، ثلث للسكن ومن ضمنه الكهرباء والمولّد والماء، والثلث الأخير للطبابة والتعليم، وعالميّاً كلفة السكن لا تتعدّى العشرين في المئة من المدخول".
وتطرّقت جعارة إلى أنّ الأمر وصل إلى حدّ أوقف عدد من أبناء الأشرفية اشتراك المولّد وأبقوا على العتمة لعدم تمكّنهم من دفع الفاتورة، فكيف ببدل الإيجار، وقالت "تخيّلوا إلى أين وصلنا في وقت مجلس النواب لم يدخل تعديلات على قانون الإيجارات القديم، ولا يبالي بالمشكلة الجديدة، تاركاً اللبنانيين يتخبّطون في مستنقع الإيجارات وحدهم".